مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

أيامًا معدودات.. لصناعة روحٍ لا تفنى

حين يطلّ هلال رمضان، لا يأتي مجرد شهرٍ في تقويم الأيام، بل يحلّ كـ«هجرةٍ روحية» تقتلعنا من ضجيج المادة، وتُلقي بنا في رحاب السكينة. إنه ميعاد الأرض مع السماء، واللحظة التي يقرّر فيها الإنسان أن يكسر قيد شهواته ليختبر حرية أجنحته.
الصيام هنا ليس حرمانًا، بل «حميةٌ ملكوتية» تُجيع الجسد لتُشبع الروح، وتُظمئ العروق لتروي البصيرة.

في هذا الفضاء الزماني يتجلّى كلام الله نورًا كاشفًا، لا لدروب السالكين فحسب، بل لخفايا النفوس التائهة، حيث يقول سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).

رمضان «هندسةٌ إلهية» لإعادة بناء الذات؛ فيه ندرك أن القوة ليست في الأخذ بل في العطاء، وأن السيادة ليست في التملّك بل في الزهد. هو زمنٌ تذوب فيه المسافات بين العبد وخالقه، فتصبح الدعوة همسةً مسموعة عند الرحمن، كما وعد سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186).

بين تراويح الساجدين ودعوات القانتين تُفتح أبوابٌ كانت موصدة، وتُغسل صحائفُ أرهقها غبار الغفلة. إنها «أيامًا معدودات» كما وصفها الخالق، لكنها بعمرٍ كامل من الطهر، وفرصةٌ لا تتكرّر لنخرج من مضمار الدنيا بقلبٍ سليم وروحٍ أضاءها نور اليقين.

فطوبى لمن أدرك في هذه الأيام المعدودات حياةً لا تفنى، ونورًا لا ينطفئ.

 

إبراهيم الشراري
‏@asalshriri
عضو جمعية إعلاميون

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop