مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“ابن أغيار”.. وجوه بلا أثر!

لم يكن مصطلح «ابن أغيار» يومًا توصيفًا للهوية بقدر ما كان حكمًا على السلوك والموقف. هو ذلك الذي يتبدّل بتبدّل الظروف، ويتلوّن بحسب المصلحة، ويقف حيث يقف الضوء لا حيث تقف القناعة. وفي زمن المشاهير، عاد هذا المفهوم ليحضر بقوة، لا في الهامش، بل في قلب المشهد الإعلامي.

كثير من مشاهير اليوم لم يعودوا مجرد وجوه معروفة، بل أصبحوا منصات إعلامية قائمة بذاتها. كلمة واحدة منهم قد تُشعل رأيًا عامًا، وصورة عابرة قد تغيّر اتجاه نقاش واسع. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح هذا التأثير بلا جذور، وحين يتحوّل الموقف إلى مادة قابلة للتعديل، تُصاغ وفق ما يضمن الاستمرار في دائرة الترند. هنا يتجلّى «ابن أغيار» في صورته الحديثة: مشهور بلا موقف ثابت، وصوت مرتفع بلا مرجعية واضحة.

نرى مشاهير يتبنّون قضايا كبرى في لحظة تصاعدها، ثم ينسحبون منها بهدوء حين تخفت الأضواء. يدافعون عن قيم، ثم يناقضونها في إعلان أو تصريح لاحق، دون اعتذار أو تفسير. هذا التقلّب لا يُقدَّم للجمهور بوصفه انتهازية، بل يُسوَّق على أنه «حرية رأي» أو «تغيّر طبيعي»، بينما هو في جوهره فقدان للبوصلة الأخلاقية.
الإعلام بدوره ساهم في تكريس هذا النموذج. حين يُكافَأ التلوّن بالانتشار، ويُكافَأ الصمت الانتقائي بالشهرة،
يصبح «ابن أغيار» هو النموذج الناجح. لا يُسأل المشهور عن ثباته، بل عن عدد متابعيه، ولا يُحاسَب على تناقضه، بل على قدرته على إثارة الجدل. وهكذا تتحوّل المواقف إلى محتوى، والقيم إلى مواسم.

الأخطر أن الجمهور، وخصوصًا الشباب، يتلقّى هذا النموذج بوصفه طبيعيًا. فيتعلم أن الرأي قابل للبيع، وأن المبادئ مرنة أكثر مما ينبغي، وأن النجاة في الفضاء الرقمي لا تحتاج موقفًا بقدر ما تحتاج حسّ توقيت. عندها لا يصبح «ابن أغيار» حالة فردية، بل ثقافة سائدة.

في زمن المشاهير، لم تعد الشهرة امتحان حضور فقط، بل امتحان مسؤولية. فالمشهور الذي يملك التأثير ولا يملك الثبات، يضيف ضجيجًا لا وعيًا، ويكرّس إعلامًا بلا ملامح. وربما آن الأوان أن نعيد تعريف النجاح الإعلامي: ليس بعدد المتابعين، بل بقدرة الصوت على أن يبقى هو ذاته، مهما تغيّر الاتجاه.

 

أ. الحجاز الثقفي
‏@alhijazmusleh
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop