مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

اتساع الروح

اتساع الروح ليس حالة عابرة، ولا شعورًا مؤقتًا، بل هو وعي ينمو مع الإنسان كلما تعلّم أن ينظر إلى الحياة بقلب أهدأ، ونفس أوسع، وروح أقرب إلى الله. حين يتسع الداخل يخف ثقل الخارج، وحين تهدأ الروح تتبدل طريقة استقبال الأحداث، فلا يعود الإنسان أسير ما يفقد، بل شاهدًا على ما يُعاد ترتيبه له بلطف.

الروح تضيق حين نكثر التعلّق، وتتسع حين نحسن التسليم؛ فكل ما نتشبث به خوفًا نحمله عبئًا في صدورنا، وكل ما نُسلّمه لله يتحول إلى خفة غير مرئية. واتساع الروح أن تفهم أن ما تأخر لم يتأخر عبثًا، وأن ما خاب لم يخب ليكسرك، بل ليحميك من طريق لا يشبهك، أو وقت لم تكن ناضجًا له بعد.

وحين يتوقف الإنسان عن مقاومة الحياة، ويبدأ في فهمها، يبدأ الاتساع. حين يكف عن السؤال باعتراض، ويسأل بثقة، ويقول في سرّه: ربي، أنا لا أفهم الآن، لكني أثق بك. في هذه اللحظة تهدأ الروح، ويتنفس القلب، وتجد النفس مساحة جديدة للاحتواء بعد طول انقباض.

اتساع الروح لا يعني غياب الحزن، بل القدرة على المرور به دون أن يتحول إلى سجن. الروح المتسعة تسمح للألم أن يمر، لكنها لا تسمح له أن يُقيم. تعترف بالوجع دون أن تتماهى معه، وترى في كل تجربة تهذيبًا، وفي كل خسارة إعادة توجيه خفية؛ فهي لا تنكر المشاعر، لكنها لا تُسلّم لها القيادة.

ومع اتساع الروح تخف المقارنات، ويهدأ الصراع الداخلي؛ فالروح الواسعة لا تُرهق نفسها بمراقبة الآخرين، ولا تستهلك طاقتها في قياس خطواتها بخطواتهم. هي منشغلة بتزكية ذاتها، وبأن تكون صادقة مع نفسها، وقريبة من ربها، أكثر من انشغالها بإرضاء التوقعات.

اتساع الروح يظهر في العفو، لا ضعفًا بل قوة؛ فحين تتسع الروح يدرك الإنسان أن حمل الغضب أثقل من التخلي عنه، وأن السلام الداخلي أغلى من أي انتصار لحظي. فيختار العفو حفاظًا على نقائه، لا تبريرًا لما حدث، بل تحررًا مما يثقله.

وحين تتسع الروح يهدأ الجسد تلقائيًا، كأن الداخل يبعث رسالة أمان إلى الخارج. تخف حدة التوتر، وتلين المشاعر، ويشعر الإنسان بسعة لم يكن يعلم أنها ممكنة؛ فالجسد مرآة لما تسكنه الروح، وكل سلام داخلي ينعكس راحة ظاهرة.

اتساع الروح هو أن تعيش وأنت تعلم أن الله أكبر من كل ما يقلقك، وأن رحمته أوسع من كل ما تخافه، وأن ما عنده خير مما فقدت. هناك، في هذه المساحة الهادئة، يولد السلام الحقيقي؛ سلام روح عرفت ربها فاطمأنت، وعرفت نفسها فاتسعت، وعرفت أن الحياة لا تُعاش بالضيق، بل بالسعة، واليقين، والطمأنينة.

 

إلهام المحمدي
@ElhamElhamal950
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop