في زمن بدأت فيه سردية الفرد تطغى على كل شيء، وحتى المجتمعات باتت تعج بأشخاص تحركهم أهواؤهم ومصالحهم الشخصية، يعيش كثيرون وهم “الاستحقاق الدائم” دون إدراك أن هذه الحياة لم تُخلق لهم وحدهم. لم يستوعبوا أنها ساحة مليئة بالتحديات والمعارك؛ قد تنتصر في بعضها وتخسر في أخرى، لأنك ببساطة لا تعيش وحدك، بل أنت جزء من كلٍّ في هذا الكون الفسيح.
إن شعورك الزائف بأنك تستحق دائمًا كل شيء، مهما كانت الظروف، يدفعك إلى الاعتقاد بأنك أحق بالتعاطف لأنك عانيت من ضغوط الحياة وصعوباتها. لكنك لست وحدك؛ فهناك كثيرون يواجهون ما تواجهه وربما أكثر. وتظن أنك تستحق وظيفة أو مركزًا مرموقًا لمجرد أنك درست وحصلت على شهادة أو اكتسبت بعض المهارات، متناسيًا أن هناك من يمتلك خبرات ومهارات تفوق ما لديك. كما قد تقتنع بأن من حولك يضيقون بتقدمك ويحزنهم نجاحك، وأنك دائمًا في مرمى أنظارهم، ويمكن إسقاط هذا النمط من التفكير على كثير من جوانب الحياة.
لا، ليس من حقك أن تجعل من نفسك ضحية دائمة أو أن تشعر بأن الكون بأسره يتآمر عليك. وليس من العدل أن تفسر كل ما يحدث لك بهذه الطريقة. فالحياة ليست عادلة ولا علمًا ثابتًا تُوزَّع فيه النتائج بالتساوي وفق معادلات دقيقة، ولم تكن كذلك يومًا ولن تكون.
ومع مرور الأيام، يزداد صاحب هذه العقلية غرقًا في التفكير السلبي، فيفوته الركب وتضيع عليه الفرص. وكل ذلك نتيجة اختياره العيش في دور المظلومية الزائفة، حتى يصبح تأثيرها ممتدًا إلى من حوله من الأصدقاء والأقارب، ثم يتطور الأمر فيبدأ بتعليق إخفاقاته وفشله على الآخرين وتجده لوامًا يتهرب من المسؤولية، لأنه لم يدرك حقيقة الحياة ولم يفهم أنها ميدان للسعي والمنافسة، ولم يمتلك الصلابة الكافية لمواجهة الحقائق كما هي، غير أنه عليه استيعاب أن المستوى المعيشي والامور الحياتية ومدى جودتها ليست ذنب أحد ممن حوله.
وحين تتمكن منه هذه الفكرة وتصبح محور تفكيره، فإنها تسحبه إلى أعماق مظلمة وتعيق تقدمه. فتركيزه المستمر على ما يملكه الآخرون يجعله يغفل عن نفسه، وربما يفقد تقديره لذاته، ويتناسى ما حققه بالفعل وما ينبغي عليه إنجازه، لذلك فإن إدراكك أن الدنيا دار متغيرات وتقلبات يجعلك أكثر وعيًا وحرصًا، ويدفعك إلى طرد مثل هذه الأفكار كلما راودتك وألا تنصاع لها. فإن أطلت البقاء في هذا المستنقع، فستجد نفسك تدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها، وهو ما يشكل خطرًا عليك وعلى من حولك.
أما السبيل الأمثل للتخلص من هذا الشعور فهو الرضا؛ ليس الرضا بمعنى التوقف عن السعي أو الاستسلام للواقع، بل الرضا الذي يحُثّك على العمل. أن ترضى بتدرجك وإن تأخر أحيانًا، وأن تتقبل أن زميلك قد حصل على ترقية اليوم بينما تسعى أنت للحصول عليها غدًا. أن ترضى بأن دخلك محدود الآن بينما دخل غيرك أعلى منك، فتجعل ذلك دافعًا لبذل المزيد من الجهد لا سببًا للحسد أو التذمر.
فالرضا لا يطفئ الطموح، بل يهذبه ويوجهه في الطريق الصحيح. سوف يغير نظرتك للأمور، ويشجعك أن تعمل وتثابر أكثر دون أن تستهلك نفسك في مقارنات لا تنتهي مع الآخرين. وحينها تستوعب أن النجاح الحقيقي لا يكمن في امتلاك ما لدى غيرك، بل في أن تصبح شخص أفضل مما كنت عليه بالأمس.
يوسف الزير
@yusofalzeer91
عضو جمعية إعلاميون