مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“الأب”..مِحرابُ التضحية وسادِنُ الاسرة

خلف كُل بيتٍ آمن، ثمة رجلٌ يقف كالسارية في مهب الريح، لا يلينُ له عزم ولا ينكسر له جناح. هو الأب؛ ذلك القائد الصامت الذي لا يرتدي نياشين البطولة فوق صدره، بل يحملها أثقالاً في قلبه، ومسؤولياتٍ تضيق بها المناكب، لكنها تتسع في روحه لتشمل كل فردٍ من أفراد أسرته.
الأب في حقيقته ليس مجرد منبعٍ للرزق، بل هو البوصلة الأخلاقية والدرع الحصين. هو القائد الذي يدرك أن القيادة ليست سلطةً تُمارس، بل هي رعايةٌ تُبذل. يحمل فوق عاتقه تطلعات الصغار، مخاوف الكبار، وأحلام الجميع؛ يسيرُ أمامهم ليشقّ طريقاً وعراً، ويمشي خلفهم ليتلقى عنهم الصدمات. هو الفرد الذي صار “أمةً” في رجل، يعتمد عليه الجميع وكأنه الركن الشديد الذي لا يميل، حتى وإن زلزلت الخطوبُ أركان الحياة.
لعل أعظم تجليات الأبوة هي تلك القدرة المذهلة على نسيان الذات. يمر العمر بالأب وهو يقتطع من راحته ليغزل منها طمأنينة لأبنائه، ومن طموحاته الشخصية ليبني منها سلماً لنجاحاتهم. ينسى لون قميصه المفضل ليذكر لون حقيبة ابنته المدرسية، وينسى إرهاق جسده ليرقب بزهوٍ ثمار غرسه وهي تتفتح. هو الإنسان الذي يذوب كالشمعة، ليس احتراقاً سلبياً، بل ضياءً ينير دروب الآخرين، فذاته لم تعد مِلكاً له، بل هي وقفٌ مستدام على محراب العائلة.
وبالرغم من كونه الملاذ والعماد، إلا أن الأب يحمل في طياته تناقضاً إنسانياً غاية في النبل؛ فهو رغم قوته، يحب أن يشعر باعتماده على أفراد عائلته. ليس عجزاً منه، بل هو نوعٌ من “الاحتياج العاطفي” الذي يربط القلوب. يسعد حين يرى ابنه يسانده في قرار، أو حين يجد في كلمات زوجته وبناته مأوىً من تعب الدنيا. إنه يمنحهم فرصة الشعور بالمسؤولية تجاهه، ليؤكد لهم أن العائلة ليست مجرد “قائدٍ وتابعين”، بل هي جسدٌ واحد، يقوى بهم كما يقوون به.
إن الأب هو ذلك الحصن الذي يشيّد بالحب، ويُرمم بالصبر، ويُحرَس بالدعاء. هو الإنسان الذي لا يطلب من الدنيا شيئاً سوى أن يرى مَن حوله بخير، معتبراً أن نجاح كل فردٍ منهم هو وسامه الأسمى وجائزته الكبرى.

 

د. أحمد السالمي
‏@drahmedalsalemi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop