يخيَّل إليَّ أن الناس كالقطع المعدنية؛ منهم الأصيل، ومنهم المزيف، وهكذا هي الحقيقة.
إنسان يصافحك بطرف أنامله، ولا ترى في عينيه ذلك الحب أو الشوق، أو حتى الاهتمام، ولا يقوم لك، ولا يقبل عليك بحديثه، ولا يحسن الإنصات إلى كلامك، ولا يتبسم، وإذا تبسم فابتسامة صفراء.
أو والد مع ولده، لا يظهر منه حب ولا شفقة؛ لا أحضان ولا أحاديث. أطفال يكبرون ولا يبصرون أسنان والدهم البيضاء، أو قل الصفراء، المهم أنه لا يبتسم معهم، فضلًا عن الضحك، ولا يحضنهم، ولا يقبلهم، ولا يتحدث إليهم، وإن فعل فعلى سبيل الندرة، والخشونة ملازمة له في طبعه، في حديثه، وحدة نظره. إنه لا يحسن غير أن يحتد ويغضب ويخشن صوته.
وزوج مع زوجه، لا أحضان ولا أحاديث حب وحنان، لا ابتسام ولا غرام، لا هدايا ولا ملاطفة، ولا تقدير لأهل الطرف الآخر.
وصديق مع صديقه، لا يقوم بالواجب، فضلًا عن الفضل والمستحب، لا كلام طيب، لا أحضان ولا حب، ولا يقف معه في المواقف المحرجة، ولا يفيض عليه من حبه وجيبه، ولا يحفظ سره، ولا يحسن الحديث معه، ولا الإنصات إليه حين يتحدث…
والمدير مع مرؤوسيه؛ معاملة وظيفية مرهقة لا إنسانية، تعالٍ وكِبر وخيلاء، والوجه مقطب الجبين، واليد لا تصل إلى اليد حبًا وسلامًا، ولا تبادل شعور، ولا سؤال عن النفس والمال والزوج والولد، والسؤال لا يكلف شيئًا، لكن المروءة غالية، ولها أهلها.
وشيخ يدّعي التدين، كثُّ اللحية، قصير الثوب، لكنه مؤذٍ بلسانه، وأخلاقه ليست أخلاق القرآن، تلمح في نظراته وأفعاله ما يدل على كمية مهولة من انعدام الرحمة، أو الجهل المغطى بالعلم زورًا وبهتانًا، ولا تكاد تسمع كلمة طيبة، أو ترى فعلًا حسنًا، إلا اللهم تلك اللحية وذلك الثوب!
جميع ما سبق زيف، والفناء للزيف…
أما الحق، أما الحقيقة – والخلود للحقيقة – فتمامًا مباين لأمثلة ونماذج ذلك الزيف؛ أخلاق عالية، وخلال غالية، ومروءة نفس، وزكاة روح، وذكاء عقل. والدين يختصر تلك المعاني جميعًا، فتصرفات المرء تجمل بالدين، وتقبح بالجهل، ولا تجد في الناس صاحب نبل وفضل وخلق غالبًا إلا وجدت في دينه استقامة.
وأنا محدثك: لا أميل، ولا أُعجب، ولا أحب إلا صاحب الخلق الحسن، بغض النظر عن أي شيء آخر.
الكثير لا يعقلون من الدين سوى الركوع والسجود، واللحية والثوب؛ “مظهريون” أو “صوريون”، أما أرباب الحقائق، وأهل البصائر، فهم يعيشون الدين واقعًا، ويرونه منهج حياة، ويعلمون أن أصله العقيدة، وأن العقيدة والأخلاق لا ينفكان عن بعضهما بعضًا، ولن تدعو الناس بدينك دون أخلاق؛ فمهما كنت على حق في العقيدة، فلن يقبلوا منك حتى يروا أخلاقك. وأكبر منفر عن الدخول في الإسلام ما يراه الآخرون من أخلاق سيئة؛ لأن الأخلاق واجهة العقيدة. هكذا أتصور المسألة، أو هي هكذا في ذاتها.
ولذا امتدح الله جل جلاله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾…
وإنني آسف كثيرًا على قلة المعتنين، أو ندرة المهتمين، بهذا المجال – مجال الأخلاق -؛ فنادرًا ما تجد محاضرات أو كلمات أو ندوات أو كتبًا تتحدث بإسهاب وتفصيل وتدقيق في هذا الموضوع الخطير، وقليل من ترى يهتم بأخلاقه، كأنه يقول: أنا طبعي هكذا، وتربيتي هكذا، وهكذا أعيش، وهكذا أموت. يقولها بلسان حاله لا بلسان مقاله، وبعضهم يصرح بها ولا يجمجم! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تستَّر بالسخاء فكلُّ عيبٍ
يغطيه – كما قيل – السخاءُ
عبدالرحمن العوفي
@Alawfii05
عضو جمعية إعلاميون