مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الإعلاميون على ثغر.. من يحرس الوعي؟

الإعلامُ ليس مهنةً حياديَّةً، بل موقعٌ متقدِّمٌ في معركة الوعي. فالإعلاميُّ لا يكتفي بنقل الخبر، بل يساهمُ في تشكيل إدراك المجتمع، وتوجيه اهتماماته، وترتيب أولويَّاته. ومن هنا يبرز السؤالُ الجوهريُّ: هل يقوم الإعلامُ اليوم بدوره في حماية الوعي، أم أصبح جزءًا من حالة التَّشويش التي يعيشها؟

نظريًّا، يُفترض أنْ يكون الإعلامُ خطَّ الدِّفاع الفكريِّ الأوَّل. لكن عمليًّا، تتقدَّم الخوارزميَّاتُ لتقود المشهد، ويُسلِّم بعض الإعلاميِّينَ زمام التَّأثير لمنطق «الترند» و«المشاهدات»، فتتحوَّل المنصَّاتُ إلى ساحات تنافس على الإثارة، لا على القيمة، ويُدفع الجمهور إلى التلقِّي السلبيِّ بدل الشَّراكة الواعية.

أُولى علامات الخَلَل هي انقلابُ الأولويَّات؛ حيث تتصدَّر الفضائح والعناوين الصادمة، بينما يتراجع التحقيق الجاد، والمحتوى التربويُّ والمعرفيُّ بحجَّة أنَّه «لا يجذب». وتتمثَّل العلامة الثانية في تسليع القيم؛ إذ تُستدَعى الأخلاق حين تخدم حملةً أو توجُّهًا، ويُغضُّ الطرف عنها حين تتعارض مع إعلان، أو رعاية. أمَّا العلامة الثالثة، فهي الاستسهال المهنيُّ، عبر عناوين بلا تدقيق، واقتباسات مبتورة، أو أخبار منسوبة إلى «مصادر» مجهولة.

ورغم هذا الواقع، لا يخلو المشهد من إعلاميِّين يعملُون بإخلاصٍ، ويقدِّمُون محتوى معرفيًّا مسؤولًا، لكنَّه بطيءُ الانتشار في زمن السُّرعة. غير أنَّ السائد يقيس النجاح بعدد الإعجابات، لا بعمق الأثر. ويتجلَّى ذلك في تكاثر برامج «اللا معنى»، وتراجع المساحات التي تشرحُ وتفكِّك وتُنمِّي الذَّائقة العامَّة. وحين يقعُ الخطأُ، يأتي الاعتذارُ مقتضبًا ومتأخِّرًا، بعد أنْ يكونَ الضررُ قد انتشرَ، فيتحوَّل التصحيحُ إلى إجراءٍ شكليٍّ لا يعالج الأثر.

المسؤولية هنا مشتركة، ولا تقع على الإعلاميِّين وحدهم. فالمجتمع مطالبٌ بحماية قيمة الإعلاميِّ المهنيِّ، وتمكين الإعلاميِّين الرصينِينَ، الوطنيِّينَ، والثقاتِ، وعدم الخلط بينهم وبين الإعلام الأصفر، الذي يتغذَّى على الإثارة، والفضائح، والمشاهدات الفارغة. إنَّ دعم الإعلام المسؤول ضرورةٌ وطنيَّةٌ؛ لحماية القِيم والهويَّة والاستقرارِ الفكريِّ.

نحن نعيشُ في فضاء مفتوح، يتدفَّق فيه المحتوى بلا ضوابط، وتتنوَّع فيه أدوات التَّضليل والتَّكسُّب غير المشروع، مع أبواب مشرعة لنشر الرديء والرَّخيص. وفي هذا الواقع، يصبحُ الإعلامُ الواعي خطَّ الدفاع الأوَّل عن المجتمع، وعن الأُسر، وعن الأجيال القادمة، شرط أنْ يُدعَم بسياساتٍ واضحةٍ، وتدريبٍ مهنيٍّ مستمرٍّ، وفصلٍ صارمٍ بين الإعلان والمحتوى، ومعايير تقيسُ الأثر المجتمعيَّ قبل نِسب المشاهدة.

الإعلاميُّون على ثغرٍ حقيقيٍّ، والثغرُ لا يُحمَى بالشِّعارات ولا بالضَّجيج، بل بالمهنيَّة والصِّدق والشَّجاعة. كلُّ مادةٍ إعلاميَّة موقفٌ، وكلُّ عنوانٍ قرارٌ، وكلُّ تجاهلٍ مشاركةٌ. فإمَّا إعلام يرفع الوعي، ويبني الإنسان، أو فراغ يملؤه العبثُ والتَّضليل. والمسؤوليَّة اليوم ليست في يد المنصَّات وحدها، بل في ضمائر مَن يديرُونَها، ويؤمنُونَ أنَّ الأمانة الإعلاميَّة واجبٌ لا يحتملُ التأجيل؟

 

د.سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop