وأنا أتأمل مسيرة الإعلام اليوم، أسأل سؤالاً لم يكن مطروحاً قبل عقد: من يصوغ من؟ أنا الذي أصنع المحتوى، أم الخوارزمية التي تصوغني؟ لقد انتقل المحتوى الإعلامي من كونه أداة لنقل الخبر، إلى حجر الزاوية في تشكيل الوعي العام وبناء الهوية الثقافية. وما كان بالأمس مهارة فردية، غدا اليوم علماً وفناً، يتطلب فهماً عميقاً للتقنية، ونفاذاً إلى نفسية المتلقي، وإتقاناً لاستراتيجيات التأثير.
إن التسارع التقني الذي نشهده اليوم، وتحديداً في الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والتحليل البياني، قد فتح آفاقاً واعدة لصناعة المحتوى، لكنه طرح تحديات جسام أمامنا. فحين يتضاعف حجم البيانات الرقمية يوماً بعد يوم، حتى تقدّر بمليارات الغيغابايتات كل لحظة، يصبح التحدي الأكبر ليس في إنتاج المحتوى، وإنما في هندسته. هندسة تجعله ذكياً، متفاعلاً، موجهاً بدقة إلى جمهوره دون أن يضيع في زحام الشبكة.
لقد رأينا كيف وظفت منصات عالمية الخوارزميات المتقدمة لتقديم تجربة مخصصة لكل متلقٍ، فصار المحتوى يسبق الرغبة. وهذا إنجاز تقني لا ينكر. إلا أنني، من موقعي ككاتب رأي ومشتغل بهم الكلمة، أتوقف عند معنى أعمق: إن تحويل المحتوى إلى قوالب جاهزة، ولو كانت ذكية، قد يقودنا دون أن نشعر إلى « قالب يقولبنا ». من هنا، لم تعد هندسة المحتوى مقصورة على الكتابة والتصوير. أصبحت تحليلاً للسلوك، وفهماً للسياق، وتوظيفاً واعياً للتقنية لا تسليماً لها. وقد برزت لذلك تخصصات جديدة كتصميم تجربة المستخدم وإدارة المحتوى الرقمي، يتوقع أن تستحوذ على استثمارات ضخمة في الاقتصاد الرقمي خلال السنوات القادمة. وهذا يعكس أهمية المجال، ويحمل في طياته مسؤولية كبرى.
غير أنني أؤمن تماماً، ويقيني لا يتزعزع، أن الجانب الإنساني سيظل هو الفارق الحقيقي. فمهما بلغت دقة الخوارزميات، سيبقى الإبداع البشري والقدرة على سرد القصة المؤثرة هما سر الاستدامة والتأثير. فالمحتوى الذي يلامس وجدان المتلقي لأنه نابع من تجربة إنسانية صادقة، هو وحده القادر على الصمود أمام زحف المعلومات.
إن مستقبل هندسة المحتوى الإعلامي سيكون أكثر تعقيداً وتنوعاً، بلا ريب. لكنه، في الوقت ذاته، يحمل فرصاً استثنائية للمبدع والمهندس على حد سواء. والفرصة الحقيقية، من وجهة نظري، ليست في إتقان الأدوات وحدها، وإنما في القدرة على اختيار « قالب الوعي » قبل أن يفرض علينا قالب جاهز.
فالمعركة اليوم ليست بين الإنسان والآلة، وإنما بين وعي الإنسان المنتبه، وعقله المائل إلى الراحة. والاستثمار الأمثل في هذا العصر المتغير ليس في التقنية فحسب، وإنما في صقل الوعي، وترسيخ الأصالة، وبناء محتوى يكون أداة لبناء المجتمعات وتعزيز الثقافة وتحقيق التنمية المستدامة.
وإني لأختم بسؤال أطرحه على نفسي كل يوم قبل أنشر حرفاً: أي قالب أختار اليوم؟ وأدعو القارئ الكريم أن يسأل نفسه السؤال ذاته.
د. علي الحازمي
@consultant1st
عضو جمعية إعلاميون