ليست المجتمعات القوية تلك التي تُبهر الناس بارتفاع مبانيها أو كثرة مشاريعها فقط. بل تلك التي يعرف فيها الإنسان أن له مكانًا آمنًا إذا ضاقت به الحياة وأن الأسرة لن تُترك وحدها حين تواجه ظروفها الصعبة. فالقيمة الحقيقية لأي مجتمع تُقاس بقدرته على حفظ كرامة الإنسان قبل أي شيء آخر.
الحماية الاجتماعية ليست مبلغًا ماليًا يُصرف، ولا جهةً تراجع. بل شعور بالأمان يزرعه المجتمع في نفوس أفراده. أن يشعر الكبير بأن هناك من يقدّره والمحتاج بأن هناك من يحتويه والشاب بأن الفرصة ما زالت أمامه. والأسرة بأن التعثر مرحلة يمكن تجاوزها لا نهاية الطريق.
في مجتمعنا ولله الحمد. لم يكن التكافل يومًا أمرًا طارئًا أو فكرة مستوردة. بل كان أسلوب حياة. كان الجار يسأل عن جاره وكانت البيوت تتقاسم المسؤولية قبل المناسبات وكان الناس يدركون أن قوة المجتمع تبدأ من تماسكه الداخلي لا من مظهره الخارجي.
لكن العالم تغيّر وأصبحت الضغوط أكبر من السابق. تكاليف الحياة ارتفعت. والعلاقات الاجتماعية أصبحت أضعف لدى البعض. والتقنية رغم فوائدها خلقت عزلة صامتة يعيشها كثير من الناس دون أن يشعر بهم أحد. لذلك لم تعد الحماية الاجتماعية مرتبطة فقط بمساعدة الفقير . بل أصبحت مرتبطة بحماية الاستقرار النفسي والأسري والاجتماعي للمجتمع بأكمله.
ومن المهم أن نفهم أن الوقاية دائمًا أفضل من العلاج. فبدل أن ننتظر الإنسان حتى يسقط تحت ضغط الحاجة أو الوحدة أو الظروف. يجب أن نعمل على دعمه مبكرًا بالتوعية والتعليم والاحتواء وفتح الفرص أمامه. لأن الإنسان حين يجد من يقف معه في البداية. غالبًا لن يصل إلى مرحلة الانكسار.
كما أن المسؤولية لا تقع على الجهات الرسمية وحدها مهما بذلت من جهود. فالمجتمع شريك أساسي في صناعة الأمان الاجتماعي. تبدأ المسؤولية من الأسرة حين تزرع الرحمة والحوار. ومن المدرسة حين تبني الوعي. ومن الإعلام حين ينشر القيم الإيجابية ومن أهل الخير الذين يحوّلون العطاء من مساعدة مؤقتة إلى أثرٍ مستدام.
فالعمل الخيري الحقيقي ليس فقط أن تمنح المحتاج ما يسد حاجته اليوم. بل أن تساعده حتى لا يعود محتاجًا غدًا. أن تصنع فرصة أو تعلّم مهارة أو تفتح بابًا للأمل فهذا أعظم أثرًا من أي دعم عابر.
وفي وطنٍ مثل المملكة العربية السعودية أصبح الإنسان محور التنمية وغايتها حيث أولت حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين اهتمامًا كبيرًا المواطن. ومنحته الثقة والدعم والفرصة ليكون شريكًا حقيقيًا في بناء المستقبل. فقد وفّرت الدولة سبل العيش الكريم. وفتحت أبواب النجاح والطموح حتى أصبح المواطن يشعر أن وطنه يؤمن بقدراته ويمنحه كل ما يحتاجه ليبدع ويتقدم.
ومن الوفاء لهذا العطاء العظيم أن نقابل ذلك بالعمل والإخلاص واستثمار أوقاتنا وطاقاتنا فيما يخدم هذا الوطن العظيم. فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات وحدها بل بسواعد أبنائها وبكل فكرة نافعة وكل جهد مخلص وكل إنجاز يرفع اسم الوطن عاليًا.
وفي النهاية علينا أن ندرك أن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتفكك عندما يشعر الإنسان أنه وحيد. لذلك فإن أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الأوطان ليس فقط في الحجر والمشاريع، بل في الإنسان نفسه. لأن الإنسان إذا شعر بالأمان. صنع مجتمعًا أكثر قوة وأكثر رحمة.
ختامًا…
كلنا وطن وكلنا رحمة.
منيرة العبدالله
@muniraabdulah24
عضو جمعية إعلاميون