مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الإنسان والإعلام.. في عصر الذكاء الاصطناعي

لم تعد إنسانية الإعلام خيارًا، بل أصبحت ضرورة ملحّة، خاصة في عصر يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة. فكلما زادت قوة الأدوات، زادت الحاجة إلى ضوابط أخلاقية تضمن أن يبقى الإعلام في خدمة الإنسان، لا العكس.

وفي هذا السياق، أصبحت إنسانية الإعلام قضية مركزية عند تقاطع التكنولوجيا مع القيم المهنية والأخلاقية. فمع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الإعلام مجرد نقل للخبر، بل تحول إلى منظومة معقدة تتداخل فيها الخوارزميات مع القرار التحريري.

وقد أدخل الذكاء الاصطناعي تحولات جوهرية في العمل الإعلامي، من أبرزها؛ “الأتمتة” والتي أصبحت تتولى إنتاج الأخبار بسرعة كبيرة، خاصة في المجالات الاقتصادية والرياضية.
ومن التحولات المؤثرة تحليل البيانات؛ لفهم سلوك الجمهور وتخصيص المحتوى بما يتناسب مع اهتماماته؛ وهنا يأتي دور “الخوارزميات” بالتحكم في ما يراه المستخدم من خلال ترتيب الأخبار والتوصيات.

وعلى الرغم من هذه التحولات، على أهميتها، تطرح تحديات حقيقية تهدد إنسانية الإعلام، من أبرزها؛ فقدان الحس الإنساني المحتوى المنتج آليًا قد يفتقر إلى التعاطف والفهم العميق للقضايا الإنسانية، خاصة في موضوعات مثل الحروب أو الكوارث.
وثانيها “التحيز الخوارزمي”؛ فقد تعكس الخوارزميات تحيزات كامنة في البيانات، مما يؤدي إلى تشويه الواقع أو تهميش فئات معينة.
وثالث التحولات هو انتشار الأخبار المضللة، نتيجة تقنيات مثل “التزييف العميق” (Deepfake) تجعل من السهل إنتاج محتوى مزيف يصعب التحقق منه.
وكل ذلك ساهم فعلياً في تراجع دور الصحفي، بالاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي الذي قد يقلل من دور الصحفي كحارس للقيم المهنية والأخلاقية.

وللحفاظ على إنسانية الإعلام في ظل هذه التحديات، تبرز مجموعة من الخطوات الضرورية؛ تتمثل في تعزيز الرقابة الأخلاقية على استخدام الذكاء الاصطناعي. وإبقاء الإنسان في دائرة القرار (Human-in-the-loop)؛ وثالثها مسألة تدريب الإعلاميين على فهم التكنولوجيا واستخدامها بشكل مسؤول. وأخيراً وضع تشريعات واضحة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، إلى جانب تعزيز التربية الإعلامية لدى الجمهور لتمييز المحتوى الموثوق من غيره

ويبقى التحدي الحقيقي ليس في رفض الذكاء الاصطناعي، بل في توظيفه من دون التفريط في القيم الإنسانية. فالإعلام الناجح في المستقبل ليس الأكثر سرعة فحسب، بل الأكثر وعيًا بمسؤوليته، والأقدر على تحقيق التوازن بين كفاءة التكنولوجيا وحساسية الإنسان.

 

د. عبدالرحمن بن جنيد
bnjneed@
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop