مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الاستثمار الثقافي.. ركيزة للصناعات الإبداعية

أضحى الاستثمار الثقافي والصناعات الإبداعية اليوم ركناً استراتيجياً في بناء الاقتصاد الحديث، لما يقدمانه من قيمة مضافة للناتج المحلي وفرص عمل واعدة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز حضورها عالمياً.

ويشهد العالم اليوم تحوّلاً لافتاً في مفهوم الاستثمار، فلم يعد مقتصراً على الموارد الطبيعية أو القطاعات التقليدية، بل امتد ليشمل الثقافة والإبداع باعتبارهما رافدين حيويين للاقتصاد المعاصر. فقد أصبحت الصناعات الثقافية والإبداعية واحدة من أسرع القطاعات نمواً، وأسهمت في تعزيز الناتج المحلي وخلق ملايين الوظائف على مستوى العالم.

في السياق ذاته، أولت المملكة العربية السعودية اهتماماً بالغاً بالاستثمار الثقافي، انسجاماً مع مستهدفات رؤية 2030 التي وضعت الثقافة في صميم التنمية الوطنية. حيث شهدنا إطلاق وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها مبادرات نوعية مثل برنامج الابتعاث الثقافي، وصندوق التنمية الثقافي، ومشروعات العلا والدرعية والبحر الأحمر، التي جعلت من الثقافة جسراً للتنمية الاقتصادية ومصدراً للتوظيف والإبداع.

وتتجلى أهمية الاستثمار الثقافي في كونه يجمع بين الهوية والاقتصاد؛ فهو يحافظ على الموروث الوطني وفي الوقت نفسه يحوله إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة. فعلى سبيل المثال، الصناعات الإبداعية تشمل الفنون البصرية والمسرح والحرف اليدوية وغيرها من الفنون، إضافة إلى التصميم والأزياء والعمارة وصناعة الألعاب الرقمية والنشر الإلكتروني. هذه المجالات لا تعزز فقط صورة الدولة في الخارج، بل تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب ورواد الأعمال، وتوفر فرصاً للتصدير والتنافسية العالمية.

ورغم هذه المكاسب، تواجه الصناعات الإبداعية تحديات جوهرية، من أبرزها نقص التمويل الموجّه للمشروعات الناشئة، والحاجة إلى بنية تحتية تقنية وتنظيمية قادرة على استيعاب النمو، إلى جانب تعزيز مهارات الكوادر الوطنية القادرة على الإبداع والإدارة معاً. وهنا يبرز دور الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات القطاع غير الربحي في بناء منظومة متكاملة تحفّز الابتكار وتدعم استدامة هذه الصناعات.

إن الاستثمار الثقافي ليس ترفاً فكرياً، بل هو خيار استراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة. فالمؤشرات الدولية تؤكد أن الصناعات الإبداعية تسهم بما يفوق 3% من الناتج المحلي العالمي، وتوظف أكثر من 30 مليون شخص. ومع دخول المملكة هذا المضمار بثقة، فإنها ترسّخ مكانتها كحاضنة للثقافة ومركز إقليمي للإبداع.

وبذلك، يمكن القول إن الاستثمار الثقافي يُشكل حجر زاوية في بناء اقتصاد متنوع، يوازن بين العوائد المادية والحفاظ على الهوية الوطنية، ويجعل من الثقافة قوة ناعمة تعزز حضور المملكة عالمياً، وتفتح الباب أمام أجيال جديدة من المبدعين لقيادة المستقبل.

 

د.عايض القحطاني
ayedhaa@
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop