في عتمة المسارات المزدحمة وهدير الحياة المتسارع، لم يكن البحث عن القيمة يومًا مجرد نزهة فكرية، بل رحلة تنقيب شاقة تشبه، إلى حد كبير، محاولة ضبط بوصلة وسط عاصفة. لطالما نظرت إلى القيمة كخط رفيع غير مرئي يربط بين انضباط العقل وأصالة الروح؛ خط لا يراه إلا من تدرب على قراءة ما بين السطور وفهم غايات الأمور، لا ظواهرها فقط.
بدأت الحكاية في أروقة العمل الممتدة عبر السنين، هناك حيث تضج المكاتب بالأنظمة والمعاملات والمسميات التي تتغير وتتبدل. في البداية، يظن المرء أن القيمة تكمن في صرامة الحرف وتطبيق اللائحة بحذافيرها، لكن مع خوض التجارب والاصطدام ببحور الإدارة، تكتشف العين الفاحصة أن القيمة الحقيقية تولد في المساحة الذكية التي تلتقي فيها الحوكمة الواعية بالمرونة الإنسانية. ليست القيمة في مسمى مدير أو مساعد، ولا في بريق المكاتب، بل في ذلك الأثر الصامت الذي تتركه خلفك؛ في قدرتك على هندسة الاستقرار وسط الفوضى، وجعل الامتثال درعًا يحمي السفينة لا قيدًا يمنعها من الإبحار. إنها تكمن في وعيك بالمخاطر قبل وقوعها، وتوجيه الدفة برصانة وثبات.
لكن هذه الرحلة المؤسسية لم تكن لتكتمل لولا ذلك السند الأصيل الذي نمتحنه في مجالس الحياة وقصائدها. فالقيمة، في معيارها الإنساني، لا تُشترى بالشهادات والألقاب، وإن كانت زادًا ضروريًا لرحلة الوعي، بل تُقاس بمعادن الرجال ومواقفهم ساعة الاختيار. تمامًا كمن يتأمل بيتًا من الشعر القديم يلخص حكمة أجيال في شطر واحد، تكتشف أن أصالة المبادئ والمسؤولية والشهامة في التعامل هي المرجعية الثابتة التي لا تطالها عوادي الزمن.
وهكذا تمضي الأيام لتؤكد أن البحث عن القيمة هو تمرين يومي على التوازن. إنه يشبه، إلى حد كبير، فرز الغث من السمين، وإعادة ترتيب الأولويات لتبقى الأساسات متينة. إنها رحلة مستمرة لامتلاك نظرة المدقق المنضبط وقلب الإنسان المتواضع؛ رحلة لا تنتهي عند محطة وصول، بل تستمر مع كل معرفة جديدة نكتسبها، ومع كل موقف نثبت فيه أن القيمة الحقيقية هي تلك التي تبقى راسخة حين يزول كل ما هو مؤقت.
خالد المسندي
anazi_85@
عضو جمعية إعلاميون