في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات مجالسنا اليومية، لم تعد العلاقات الإنسانية تُبنى فقط على المصافحة والزيارة واللقاء، بل أصبح لها امتداد آخر في العالم الرقمي.
عالم يلتقي فيه الناس كل يوم دون أن يغادروا أماكنهم، ويتبادلون فيه الأفكار والمشاعر والأخبار كما كانوا يفعلون في المجالس والدواوين والمنتديات قديماً.
لكن كما أن للمجالس آدابها وأخلاقها، فإن للعالم الرقمي آدابه وأخلاقه أيضاً.
ومن أجمل هذه الأخلاق ما يمكن أن نُسميه «الكرم الإلكتروني».
الكرم الإلكتروني لا يحتاج إلى مال ولا يتطلب جهداً كبيراً، ولا يكلّف صاحبه سوى ضغطة زر.
قد يكون في كلمة طيبة أو تعليق مشجّع أو إعادة نشر لمحتوى يستحق، أو حتى ضغطة إعجاب صادقة تُشعر صاحب المنشور بأن ما قدمه وجد من يقدّره.
وفي منصة «إكس» قد يكون ذلك بإعادة التغريد أو التفضيل، وفي الواتساب بردٍ لطيف أو تفاعل بسيط، لكنها جميعاً رسائل إنسانية تحمل معنى واحداً: «لقد رأيت ما قدمت وأقدّر جهدك».
كثيرون يكتبون وينشرون ويشاركون أفكارهم وتجاربهم، ليس بحثاً عن الشهرة بقدر ما يبحثون عن ذلك التفاعل الإنساني الذي يؤكد لهم أن ما يطرحونه يصل إلى الآخرين.
وحين يقابل الصمتُ كل ما ينشرونه، يخبو شيء من الحماس في داخلهم، بينما قد تعيد كلمة تشجيع واحدة إشعال ذلك الحماس من جديد.
ولعل من المفارقات أن بعض الناس يجودون في الواقع بكل أنواع الكرم، لكنهم في العالم الرقمي يعيشون حالة من الشح العجيب! يقرؤون ولا يعلّقون، ويستفيدون ولا يشكرون، ويتابعون ولا يتفاعلون وكأنهم يظنون أن الإعجاب أو التعليق أو إعادة النشر سوف تنتقص من رصيدهم أو مكانتهم، والحقيقة أن العكس هو الصحيح.
فالتفاعل الإيجابي لا يرفع فقط معنويات الآخرين، بل ينعكس على صاحبه أيضاً.
فالعطاء بكل صوره يترك أثراً نفسياً جميلاً ويمنح الإنسان شعوراً بالرضا والارتياح، ويصنع جسوراً من الألفة والمودة بين الناس.
فالإنسان بطبيعته يحب التقدير، ويزدهر حين يشعر أن حضوره محل اهتمام، كما أن المجاملات اللطيفة والكلمات الطيبة تفتح أبواباً من الود يصعب أن تفتحها وسائل أخرى.
وقد أثبتت التجارب أن العطاء حتى في أبسط صوره الرقمية قادر على بناء علاقات أكثر دفئاً وإنسانية، إلا مع صنفٍ واحد من الناس وهو الشخص اللئيم الذي لا يرى في المعروف معروفاً، ولا يرد الود بمثله ولا تزيده المبادرات الطيبة إلا جفاءً، فهذا لا دواء له لا في الواقع ولا في العالم الافتراضي، لأن المشكلة ليست في غياب التواصل بل في ضيق النفس وعجزها عن استقبال الجميل وتقديره، فالأرواح الكريمة يزهرها العطاء، أما النفوس الضيقة فلا يرضيها شيء.
وفي مجموعات الواتساب تحديداً تتجلى أهمية هذا المفهوم بصورة أكبر، فهذه المجموعات ليست منصات عامة مجهولة، بل مجالس رقمية محدودة تضم أشخاصاً تجمعهم صداقة أو قرابة أو اهتمامات مشتركة.
ولذلك فإن تجاهل المشاركات بشكل دائم أو الاكتفاء بالمشاهدة الصامتة، يفقد هذه المجالس شيئاً من روحها وحيويتها.
ليس المطلوب أن نعلّق على كل رسالة، ولا أن نُجامل فيما لا يستحق المجاملة، لكن المطلوب ألا نبخل بأبسط صور التقدير حين تستحق، فإيموجي بسيط أو كلمة شكر أو دعاء جميل، أو إشارة إعجاب، قد تكون في ميزان أثرها أكبر بكثير مما نتخيل.
لقد علمتنا الحياة أن الكرم ليس فيما نملك فقط، بل فيما نمنح، وبعض أجمل ما يمكن أن نمنحه اليوم هو الاهتمام.
وفي عالم يزداد ازدحاماً بالمحتوى والرسائل، يبقى التفاعل الإنساني الصادق هو العملة الأغلى، ويبقى الكرم الإلكتروني أحد أجمل صور العطاء الحديثة، عطاء لا يكلّف شيئاًلكنه قد يصنع فرقاً كبيراً في قلب إنسان، ويزرع مودةً دائمة ويحول الشاشات الباردة إلى مجالس عامرة بالألفة والاحترام والإنساني.
م. سعيد رجاء الأحمري
@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون