مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

التثبت خُلُقٌ غائب في عصر الذكاء الاصطناعي

في زمنٍ لم تعد فيه الحقيقة تُعرف من ملامحها، ولا يُستدل عليها بمجرد السمع أو النظر، أصبح التثبت خُلُقًا منسيًا، رغم أنه اليوم أشد ضرورة من أي وقت مضى ، فمع تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي، لم تعد الأكاذيب تُروى بالكلمات فقط، بل تُصنع بالصوت والصورة، وتُقدَّم في هيئة واقعٍ متقن، يخدع العين قبل العقل، ويستدرج الحكم قبل التثبت.

لم تعد العين شاهدًا عدلًا كما كانت، ولا الصوت دليلًا قاطعًا على الصدق ، فكم من مقطعٍ مزيف، أو تسجيلٍ مُفبرك، أو صورةٍ منسوبة زورًا، انتشرت كالنار في الهشيم، لتُحدث أثرها في السمعة والقلوب والعلاقات، قبل أن يُتاح للعقل أن يسأل: هل هذا حقيقي؟

هذا الزمن هو أولى الأزمنة بالتريث؛ لأن الكذب لم يعد بدائيًا يُكشف بسهولة، بل صار ذكيًا، ناعم الحواف، يصنع قصة مكتملة التفاصيل، ثم يتركها لتفعل فعلها القاسي،وكم من إنسانٍ عفيف الجوارح، نقي السريرة، شُوّهت سمعته بذكاءٍ لا ضمير له، وبشرٍ استعجلوا الحكم، فكانوا أداة ظلمٍ دون قصد.

ولو عدنا إلى ميزان القيم في القرآن الكريم، لوجدنا أن التثبت لم يُربط بوسيلة النقل، بل بأخلاق المتلقي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
فالتبين فريضة أخلاقية، لا يُسقطها تطور التقنية، ولا تُعفي منها جودة الصورة أو وضوح الصوت.

فالذكاء الاصطناعي، في جوهره، أداة؛ قد تُستخدم في البناء كما قد تُستخدم في الهدم، لكن الخطر الحقيقي يكمن في عقلٍ يُعطّل، وحكمٍ يُستعجل، وعدلٍ يُؤجَّل ، وحين تغيب المسؤولية، تتحول التقنية من نعمة إلى أداة تشويه، ومن خدمة للإنسان إلى وسيلة لإيذائه.

لسنا في خصومة مع التقدم، ولا في رفضٍ للتقنية، بل في مواجهةٍ أخلاقية مع سوء استخدامها ، معركة عنوانها: أن نحفظ للإنسان كرامته، وأن لا نسمح للصورة أن تكون قاضيًا، ولا للصوت أن يكون جلادًا.

ختامًا، إن كانت الكلمة في الماضي تقتل، فإن الصورة اليوم قد تقتل، والصوت قد يدمّر حياة كاملة ، فطوبى لمن تمسّك بالتثبت في زمن التزييف، وجعل العدل سابقًا للحكم، والعقل حارسًا للحواس، والرحمة ميزانًا قبل الإدانة.

 

د.جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop