مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

التدخين في الأماكن العامة: بين النظام والتساهل

في الوقت الذي تتجه فيه المملكة إلى تعزيز جودة الحياة وحماية الصحة العامة، يبرز تساؤل مشروع: لماذا يُمنع التدخين نظامًا في الأماكن العامة، بينما يُمارس علنًا في بعض مناسباتنا الشعبية، وعلى رأسها ساحات المحاورة وقصور الأفراح؟

لا يختلف اثنان على أن الأنظمة في المملكة العربية السعودية واضحة فيما يخص الحد من التدخين في الأماكن العامة، لما له من أضرار صحية مثبتة لا تقتصر على المدخن وحده، بل تمتد إلى من حوله عبر ما يُعرف بالتدخين السلبي. لكن الواقع يكشف فجوة بين النص والتطبيق، تتجلى بشكل لافت في بعض حفلات الزواج، حيث يعتلي شعراء المحاورة المنصات، ويؤدون فنهم أمام جمهور غفير، وفي الوقت ذاته يُشاهَد التدخين بشكل علني، دون أدنى مراعاة لوجود أطفال ومراهقين في الصفوف الأولى.

هنا تبرز الإشكالية: هل تُعد قصور الأفراح وساحات المحاورة أماكن عامة؟ من الناحية العملية، نعم؛ فهي أماكن مفتوحة للحضور الجماهيري، تُقام فيها فعاليات يحضرها مئات، بل أحيانًا آلاف الأشخاص، دون تمييز أو خصوصية حقيقية. وبالتالي، فإن تطبيق الأنظمة يجب أن يكون قائمًا فيها كما هو الحال في أي مرفق عام آخر.

المشكلة لا تقف عند مخالفة النظام فحسب، بل تمتد إلى التأثير السلوكي. حين يرى الأطفال والمراهقون شخصيات مؤثرة – كشعراء المحاورة – تمارس التدخين أمامهم، فإن الرسالة غير المباشرة التي تصل إليهم هي أن هذا السلوك مقبول، بل وربما «جزء من الهيبة أو الحضور». وهذا خطر تربوي لا يقل أهمية عن الضرر الصحي.

ومن زاوية أخرى، فإن هذه الممارسات تعكس نوعًا من التساهل الاجتماعي، أو ربما غياب الرقابة الفعلية داخل هذه المناسبات. فقصور الأفراح، باعتبارها منشآت مرخصة، تتحمل جزءًا من المسؤولية في تطبيق الأنظمة داخل مرافقها، كما أن منظمي الحفلات لهم دور في ضبط السلوك العام، خصوصًا في الفعاليات التي تشهد حضورًا كثيفًا.

إن الحفاظ على الهوية الثقافية، ومنها فن المحاورة، لا يتعارض أبدًا مع الالتزام بالسلوكيات الصحية والنظامية. بل على العكس، فإن الارتقاء بالمشهد الثقافي يقتضي أن يكون نموذجًا إيجابيًا يُحتذى به، لا منصة لتكريس ممارسات ضارة.

ختامًا، فإن الحد من هذه الظاهرة لا يتطلب فقط تشديد الرقابة، بل أيضًا رفع الوعي، وتحميل كل طرف مسؤوليته: من الشاعر، إلى المنظم، إلى إدارة القاعة، وصولًا إلى الحضور أنفسهم. فالمجتمع الذي يحترم أنظمته هو المجتمع الذي يحمي أفراده، خصوصًا الأجيال القادمة.

 

تركي العوفي
‏@turkialaofi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop