مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

التدريب الذكي.. وبناء العقول

بين شواطئ البحر الأحمر في جدة، وسواحل الخليج العربي في المنطقة الشرقية، لا تنتقل المؤتمرات والملتقيات المهنية فقط؛ بل تنتقل الأفكار أيضًا.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه التحولات التقنية والمهنية والمعرفية، يكتب قطاع التدريب السعودي فصلاً جديدًا من قصته؛ فصلاً لا تُقاس فيه النجاحات بعدد المقاعد الممتلئة، ولا بعدد الشهادات الممنوحة، بل بعدد العقول التي تغيّرت، والقرارات التي تحسنت، والأثر الذي بقي بعد انتهاء القاعات.

وخلال الأعوام الأخيرة، شهد قطاع التدريب والتطوير في المملكة العربية السعودية تحولات نوعية متسارعة، مدفوعة برؤية وطنية جعلت الإنسان محور التنمية، والاستثمار في قدراته أساسًا لبناء المستقبل.

ولعل ما شهدناه في ملتقى البحر الأحمر للتطوير والتدريب 2026، وما نستشرفه في ملتقى الشرقية للتطوير والتدريب 2026، يعكس بوضوح هذا التحول في فلسفة التدريب وأهدافه وأدواته.

فلم تعد الملتقيات المهنية مجرد مناسبات لتبادل بطاقات التعارف أو حضور المحاضرات، بل أصبحت منصات فكرية تناقش قضايا بناء الإنسان، ومستقبل المهارات، والتحول الرقمي، والاستثمار في رأس المال البشري.

من أهم التحولات التي يشهدها القطاع اليوم الانتقال من التركيز على النشاط التدريبي إلى التركيز على الأثر التدريبي. ففي الماضي كان السؤال: كم برنامجًا تم تنفيذه؟ أما اليوم فأصبح السؤال: ماذا تغيّر بعد انتهاء البرنامج؟ هل تحسن الأداء؟ هل تطورت المهارات؟ هل ارتفعت الإنتاجية؟ هل انعكس التدريب على جودة القرار داخل المؤسسة؟

إنها أسئلة مختلفة تمامًا، لأنها تنقل التدريب من كونه نشاطًا تشغيليًا إلى كونه استثمارًا استراتيجيًا. ولهذا لم يعد نجاح البرامج التدريبية يُقاس بعدد الحضور أو ساعات التدريب، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس ومستدام في الإنسان والمؤسسة.

وفي الوقت ذاته، تشهد صناعة التدريب تحولًا تقنيًا متسارعًا. فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والمنصات الرقمية، وتقنيات التعلم التفاعلي، أصبحت عناصر رئيسية في تصميم التجارب التعليمية الحديثة وقياس أثرها وتحسين نتائجها.

لكن رغم هذا التطور الكبير، تبقى حقيقة واحدة لا تتغير: التقنية أداة؛ أما الإنسان فهو الغاية. فأفضل الأنظمة لا تصنع أثرًا بمفردها، وأحدث المنصات لا تبني مستقبلًا وحدها، ما لم تُسخّر لبناء إنسان أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التفكير والتعلم واتخاذ القرار. ولهذا فإن التدريب الحديث لا يبدأ بالتقنية فقط، بل يبدأ بفهم الإنسان واحتياجاته وتحدياته وطموحاته.

خلال مشاركتي في الجلسة الحوارية الخامسة بملتقى البحر الأحمر للتطوير والتدريب بعنوان: “الاستثمار في العقول: نحو نماذج اقتصادية مستدامة لسوق التدريب”؛ وكان السؤال الأهم الذي دار حوله النقاش: كيف نقيس العائد الحقيقي من التدريب؟ وهو سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يعيد تعريف العلاقة بين التدريب والتنمية.
فالعائد الحقيقي لا يظهر في استمارة تقييم تُعبأ بعد انتهاء البرنامج، ولا في عدد الشهادات الممنوحة، بل يظهر لاحقًا في جودة القرار، وتحسن الأداء، وارتفاع الإنتاجية، وقدرة الإنسان على التعامل مع التحديات وصناعة النتائج.

ومن هنا يصبح الاستثمار في التدريب استثمارًا في الإنسان أولًا، لا في القاعات أو الأدوات أو الميزانيات. فالإنسان الواعي، القادر على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات، هو أعظم أصل استثماري يمكن أن تمتلكه أي مؤسسة أو أي وطن.

تشير التقديرات إلى أن حجم سوق تدريب الشركات في المملكة العربية السعودية بلغ نحو 14.4 مليار ريال خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 15.8 مليار ريال في عام 2026.

وهي أرقام تعكس النمو المتسارع لهذا القطاع الحيوي. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم السوق وحده، بل في نوعية المخرجات التي يصنعها. فالنجاح لا يُقاس بعدد البرامج التدريبية، بل بعدد القيادات التي تتشكل، والقرارات التي تتحسن، والكفاءات التي تُبنى، والقيمة التي تُضاف للاقتصاد والمجتمع.

ومن الرسائل المهمة التي تحملها الملتقيات المهنية الحديثة أن بناء المستقبل لم يعد مسؤولية جهة واحدة. فالقطاع العام يملك الرؤية. والقطاع الخاص يملك المرونة والسرعة. والمؤسسات التعليمية تملك المعرفة.

أما قطاع التدريب فيملك القدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والرؤية إلى نتائج. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يتحول الاستثمار في الإنسان إلى مشروع وطني مستدام.

لقد وضعت رؤية السعودية 2030 الإنسان في قلب عملية التنمية، وجعلت تنمية القدرات الوطنية أحد أهم مستهدفاتها. ولهذا فإن مستقبل التدريب في المملكة لا يرتبط فقط بتطوير البرامج والأدوات، بل يرتبط ببناء منظومات معرفية قادرة على إعداد أجيال أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر استعدادًا للمستقبل. والتنمية المستدامة تبدأ من التعلم المستمر. والأثر الحقيقي يبدأ عندما يتحول التدريب إلى ثقافة، لا إلى فعالية مؤقتة.

رسالة أخيرة:
من شواطئ جدة إلى شواطئ الشرقية، تتشكل اليوم ملامح قصة وطنية عنوانها الإنسان. قصة تؤكد أن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني أو التقنيات وحدها، بل في العقول التي تُفكر، والمهارات التي تُبدع، والقيادات التي تصنع الفرق.

فمستقبل التدريب السعودي لن يكون لمن يقدم برامج أكثر، بل لمن يصنع أثرًا أعمق. ولن يكون لمن يمنح شهادات أكثر، بل لمن يبني إنسانًا أكثر وعيًا وقدرة وتأثيرًا. ففي عالمٍ تتغير فيه الأدوات كل يوم، يبقى الإنسان الواعي هو الاستثمار الأثمن، والعقل المتعلم هو الثروة التي لا تنضب، والأثر الحقيقي هو اللغة الوحيدة التي يفهمها المستقبل.

 

د نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop