حين تصدر هيئة رسمية كالهيئة العامة لتنظيم الإعلام توجيهاً بعنوان “نحو التزام إعلامي يعزز التلاحم الوطني”، عبر حسابها في منصة (x) تويتر سابقًا، فإنها لا تضع لائحة جديدة وإنما تضيء على مبدأ راسخ. وحين تحذر من “ممارسات غير مباشرة تثير النعرات القبلية”، كالإيحاء بوجود أفضلية على أساس الانتماء، أو إبراز الانتماء القبلي خارج سياق المحتوى، فإنها تخاطب عقلاً جمعياً يدرك هذه المحاذير قبل أن تُكتب. إن هذا التوجيه يأتي ليؤكد أن الدولة السعودية، في كل مؤسساتها، ترى في الوحدة الوطنية خطاً أحمر ومكسباً تاريخياً لا يمكن التفريط به. لكن الأهم من النص النظامي هو الأرضية الصلبة التي يقف عليها، فهذه التوجيهات لا تأتي لتعالج مرضاً مستشرياً، وإنما لتُحصّن جسداً صحيحاً ومعافى، ولتقطع الطريق على أي محاولة دخيلة لتعكير صفو نسيج اجتماعي متين.
إن المتابع المنصف يدرك أن إثارة النعرات القبلية والتعصب المقيت تظل ممارسة نادرة وهامشية في المجتمع السعودي، وهذا ليس من قبيل المصادفة. فالسبب الأول والأعمق يكمن في المنهج الذي قامت عليه هذه البلاد، وهو المنهج الإسلامي القويم. لقد جاء الإسلام ليهدم صرح الجاهلية الأولى القائم على التفاخر بالأنساب، وأرسى بدلاً منه قاعدة ذهبية لا تتغير: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. هذا المبدأ لم يكن شعاراً نظرياً، وإنما تحول عبر القرون إلى ثقافة مجتمعية راسخة. فالسعودي يفخر بأصله وقبيلته كجزء من تاريخه وتراثه، لكنه تربى على أن هذا الفخر لا يكتمل إلا إذا كان في إطار المروءة والوطنية الجامعة، وأنه لا قيمة لنسب دون خلق، ولا معنى لقبيلة دون وطن يحتضن الجميع.
ثم تأتي ثقافتنا السعودية الأصيلة لتكون السد الثاني المنيع. فقيمنا المتوارثة القائمة على إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، ونصرة الجار، والوقوف مع الضعيف، هي قيم لا تعترف بالحواجز القبلية. لقد نشأنا على قصص الكرم التي لا تسأل عن نسب الطارق، وعلى ملاحم الوحدة التي انصهرت فيها القبائل تحت راية واحدة. هذه الثقافة الحية هي التي تجعل أي خطاب تعصبي يبدو نشازاً ومستغرباً في آذان الناس، فهو يصطدم بمخزون قيمي هائل تربت عليه الأجيال.
وفوق هذا وذاك، تقف حكومتنا الرشيدة كضامن أمين لهذه الوحدة. فمنذ تأسيس المملكة على يد الإمام الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه -، كان المشروع الوطني هو مشروع توحيد لا تفريق، ومشروع جمع كلمة لا تشتيتها. واليوم، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين – حفظهما الله -، أصبحت المواطنة هي الهوية العليا التي يتساوى تحتها الجميع في الحقوق والواجبات والفرص. فالأنظمة لا تفرق، والمشاريع التنموية الكبرى من نيوم إلى القدية لا تسأل عن انتماء العاملين فيها، وإنما عن كفاءتهم وإبداعهم. ولذلك، فإن أي ممارسة تثير النعرات لا تواجه القانون فقط، وإنما تواجه إرادة دولة ومشروع وطن كامل.
ولله الحمد والشكر، فإن الرهان الأصدق هو على الشعب السعودي ذاته. فنحن نتحدث عن شعب متعلم ومثقف وواعٍ حسب ما تم ذكره في مقولة خالدة لسيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله -. إن أبناء وبنات هذا الوطن الذين يقودون اليوم مسيرة التحول الرقمي والاقتصادي، والذين يبتعثون لأرقى جامعات العالم، يدركون أن المستقبل لا يبنى بالعصبيات الضيقة. إنهم يرون بأعينهم كيف أن قوتهم في تنوعهم، وأن إنجازاتهم تتحقق حين يعمل ابن الشمال مع ابن الجنوب في فريق واحد. هذا الوعي المجتمعي هو الذي يجعل محاولات إثارة النعرات، سواء كانت مباشرة أو عبر إيحاءات مبطنة كما وصفها التوجيه، تسقط فوراً في هوة السخرية والرفض المجتمعي قبل أن تصل إلى جهات الضبط.
إن التوجيه نحو التزام إعلامي يعزز التلاحم الوطني هو في حقيقته دعوة لتعزيز ما هو موجود أصلاً. فالإعلام السعودي بمنصاته الرسمية والخاصة، وبأغلبية صانعي المحتوى فيه، كان ولا يزال شريكاً في ترسيخ اللحمة. والالتزام المطلوب ليس مفروضاً بقوة النظام فحسب، وإنما هو نابع من ضمير مهني ووطني يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن المنصة أمانة.
إن ندرة هذه الظاهرة في مجتمعنا ليست ضعفاً في القانون، وإنما هي قوة في المبدأ. وهي لا تعني أن نتهاون، وإنما تعني أن نواصل التحصين. فالمجتمع الذي أسسه دينه على المساواة، وصاغت ثقافته على الوحدة، وتحميه قيادته بحزم، ويقوده شعب متعلم وواعٍ، هو مجتمع عصي على الفرقة. وسيبقى هذا الوطن، بفضل الله ثم بتماسك أبنائه، أنموذجاً في الوحدة الوطنية، وحصناً منيعاً لا تنفذ إليه سهام الكراهية والتعصب.
د. علي الحازمي
@consultant1st
عضو جمعية إعلاميون