لم يعد التعلُّم اليوم، مرحلةً زمنيَّةً تنتهي بالحصول على شهادةٍ أكاديميَّةٍ، بل أصبح منهجيَّةَ حياةٍ لا غنى عنها؛ لمواكبة التحوُّلات المُتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات المعرفة، والتَّقنية، وسوق العمل. فالتعلُّم المستمر يُعدُّ إحدى أهم أدوات التَّطوُّر الفرديِّ والمجتمعيِّ، ويشكِّل ركيزةً أساسيَّةً لبناء الإنسان القادر على التكيُّف والإبداع، في عصر يتَّسم بالتَّغيير المتلاحق.
وانطلاقًا من هذا الوعي، أولت المملكةُ العربيَّة السعوديَّة اهتمامًا بالغًا بثقافة التعلُّم المستمر، انسجامًا مع مستهدَفات رُؤية 2030، التي تضعُ الإنسانَ في صميم التَّنمية. وقد تجسَّد هذا الاهتمامُ في مبادرات وزارة التَّعليم، التي عملت على توفير مصادر تعلُّم مجانيَّة ومتنوِّعة، من خلال إتاحة الاشتراك في منصَّات تعليميَّة عالميَّة، ودعم التَّعليم الإلكترونيِّ، وتمكين الأفراد من تطوير مهاراتهم بشكلٍ مرنٍ ومُستدامٍ، بما يتوافق مع احتياجاتهم المهنيَّة والشخصيَّة.
غير أنَّ نجاح هذه الجهود لا يكتمل دون ترسيخ ثقافة التعلُّم المستمر داخل المجتمع ذاته، بحيث تصبح ممارسةً يوميَّةً، وأسلوبَ حياةٍ، لا مجرَّد استجابةٍ ظرفيَّةٍ لاحتياج وظيفيٍّ أو أكاديميٍّ. فإيمانُ المجتمع بأهميَّة التعلُّم الذاتيِّ، وتقديره لتطوير المهارات والمعرفة، يُسهمان في رفع جودة الحياة، وتعزيز التنافسيَّة، وبناء اقتصاد معرفيٍّ متينٍ.
وتتحمَّل مؤسَّسات التَّعليم، بمختلف أشكالها ومستوياتها، مسؤوليَّةً محوريَّةً في هذا الجانب، إذ لا يقتصر دورها على نقل المعرفة، بل يمتد إلى التَّثقيف والتَّحفيز، وغرس قيمة التعلُّم مدى الحياة في نفوس المتعلِّمِينَ، من خلال مناهج مرنة، وبرامج تطويرٍ مهنيٍّ، وشراكات فاعلة مع منصَّات التعلُّم الحديثة.
وفي السياق ذاته، يبرز الدورُ الحيويُّ لوزارة الإعلام، بوصفها واجهةً للتَّوجيه والتَّثقيف العام. فمن خلال وسائل الإعلام المختلفة، يمكن تعزيز الوعي المجتمعيِّ بأهميَّة التعلُّم المستمر، وتسليط الضوء على النماذج المُلهمة، وإبراز الفرص التعليميَّة المُتاحة، إضافةً إلى إنتاج محتوى إعلاميٍّ محفِّزٍ يربط التعلُّم بالتَّنمية والنجاح الشخصيِّ والوطنيِّ.
وانسجامًا مع هذا الدَّور، ناقشتُ في برنامجي الإذاعي (أوساط الرَّأي) على إذاعة الإخباريَّة، هذا المفهوم، في حلقة نوعيَّة خُصِّصت للتعلُّم المستمر، حيث طرحتُ الموضوعَ من زوايا متعدِّدة، بمشاركة نُخبةٍ من المختصِّين، في محاولة لتوسيع دائرة الوعي، وتحفيز المجتمع على تبنِّي هذه المنهجيَّة، بوصفها طريقًا للنَّجاح والتَّطور، وكلُّ الأمنيات أنْ تصل هذه الحلقة لمسامع الجميع.
إنَّ تكامل أدوار التَّعليم، والإعلام، والمجتمع، كفيلٌ بترسيخ ثقافة التعلُّم المستمر، وتحويلها من مفهوم نظريٍّ، إلى ممارسةٍ واقعيَّةٍ تُسهم في بناء مستقبل أكثر وعيًا واستدامةً.
د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون