مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الثغور قبل الحدود

في كل مرة يُطرح فيها سؤال أمن الأوطان، يتجه التفكير مباشرة إلى الجيوش والسلاح والحدود. غير أن القرآن الكريم يفتح زاوية أعمق لفهم الأمن؛ زاوية تبدأ من الإنسان قبل الأرض، ومن القيم قبل القوة. فالأوطان في المنهج القرآني لا تُحمى بالحدود فقط، بل تُحمى كذلك بالثغور.

والثغر في اللغة هو الموضع الذي يُخشى أن يؤتى منه العدو. ولهذا كان العلماء يقولون: كل موضع يُخشى أن يُؤتى الإسلام منه فهو ثغر. ومن هنا تتسع دائرة الأمن في التصور القرآني؛ فالثغور ليست فقط نقاطًا عسكرية، بل كل موقع يمكن أن يُحفظ فيه المجتمع أو يُخترق منه.

حين يربط القرآن بين الصبر والمصابرة والرباط، فإنه يرسم معادلة شاملة لحماية الأمة. يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. فالرباط في هذا السياق ليس مجرد حراسة حدود جغرافية، بل ثبات في مواقع المسؤولية التي تحفظ الأمة من الانهيار.

فالمرابط ليس فقط الجندي الذي يقف على الحدود، بل كل إنسان يحرس موقعًا يمنع خلل المجتمع. الأب مرابط في بيته، والمعلم مرابط في مدرسته، والعالم مرابط في علمه، والأم مرابطة في تربيتها. إنها شبكة حماية كاملة تحفظ توازن المجتمع وتمنع سقوطه.

ولا شك أن حماية الحدود ضرورة لبقاء الدول، ولهذا أمر القرآن بالاستعداد للقوة فقال: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾. فالحدود هي بوابة السيادة، والجندي الذي يقف عليها لا يحرس أرضًا فقط، بل يحرس استقرار وطن كامل. ولهذا كان الرباط على الحدود في الإسلام من أعظم الأعمال؛ لأنه يحمي المجتمع من الخطر الخارجي.

غير أن التاريخ يخبرنا بحقيقة أكثر عمقًا: كثير من الأمم لم تنهزم لأن جيوشها ضعفت، بل لأنها تآكلت من الداخل. يحدث ذلك حين تتفكك الأسرة، وتضيع القيم، ويضعف الوعي. وعندها تصبح الحدود القوية غير كافية لحماية المجتمع.

ولهذا يحذر القرآن من الفساد الداخلي قبل كل شيء: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان قبل بناء القوة.

ومن أخطر الثغور في أي مجتمع ثغر الأسرة، ومن يقف على هذا الثغر غالبًا هي المرأة. فالأم التي تربي القيم، والزوجة التي تحفظ استقرار البيت، والمعلمة التي تبني العقول، كلّهن يقمن بدور رباط داخلي لا يقل أهمية عن رباط الحدود. ولهذا يمكن تلخيص معادلة الأمن في عبارة بسيطة لكنها عميقة:

الرجال يحرسون حدود الوطن، والنساء يحرسن ثغوره. الأول يحرس الأرض، والثانية تحرس الإنسان. وحين يُحفظ الإنسان… يُحفظ الوطن.

إن الأوطان القوية لا تقوم على السلاح وحده، بل على توازن دقيق بين القوة والوعي. فإذا حُفظت الحدود وسقطت الثغور، تآكلت الأمة من الداخل. وإذا حُفظت الثغور وقويت الحدود، بقي المجتمع متماسكًا عبر الزمن. ولهذا كان بناء الإنسان في القرآن أساس كل حضارة، وأساس كل أمن حقيقي.

وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحة: تحمى الأوطان بالحدود والثغور فالرجال يحمون الحدود، والنساء يحمين الثغور.
فإذا كان الجندي يحرس بوابة الوطن من الخارج، فإن الأم والمعلمة والمربية يحرسن بوابة المستقبل من الداخل. فالأمم لا تُهزم حين تُكسر حدودها… بل حين تُترك ثغورها بلا حراس.

 

نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop