في كل زمنٍ يظنّ نفسه “الأوضح” هناك دائمًا من دفع ثمن هذا الوضوح قبل أن يولد. نحن نرى النتيجة النهائية: منصات مفتوحة، أصوات متعددة، وسهولة في النشر والوصول… لكننا نادرًا ما نتوقف عند السؤال الحقيقي: من الذي جعل هذا ممكنًا أصلًا؟
في حديثها المنشور عبر منصة X قدّمت الكاتبة والإعلامية حليمة مظفر؛ شهادة شخصية عميقة عن جيلها في الإعلام والصحافة، جيلٍ لم يدخل المجال من باب الجاهزية، بل من باب “التكوين تحت الضغط”، جيلٍ وُضع بين زمنين: زمنٍ كانت فيه الكلمة محكومة بثقل الرقابة الاجتماعية والفكرية، وزمنٍ آخر انفجر فيه الإعلام الرقمي بسرعة أربكت الجميع.
ما تقوله حليمة مظفر ليس مجرد مقارنة بين أجيال، بل استدعاء لحالة إنسانية كاملة: شعور الكاتب حين كان يكتب وهو لا يعرف هل سيُفهم أم سيُساء فهمه، هل سيُقرأ أم سيُهاجم، هل سيُناقَش أم يُقصى.
كان هناك دائمًا ذلك السؤال الخفي خلف كل سطر: “هل هذه الكلمة ستُكلفني شيئًا؟
ذلك الجيل لم يكن يعيش رفاهية التجربة، بل كان يعيش “ثقل البداية”، لا منصات تضمن الوصول، ولا جمهور جاهز، ولا أدوات قياس لحظية للانتشار.
كانت الصحيفة تُنتظر صباحًا كحدث، وكانت المقالة تُعامل كأثر باقٍ، لا كمنشور عابر. ويقول طه حسين “الحرية أثمن ما في الوجود” لكن ما لا يُقال عادة هو أن هذه الحرية لا تأتي دفعة واحدة، بل تُنتزع على مراحل، ويُدفع ثمنها في شكل تجارب، وخسائر، وسوء فهم متكرر.
في تلك المرحلة لم يكن الاختلاف “رأيًا” فقط، بل كان أحيانًا يُفهم كتهديد، ولذلك تشكّل وعي ذلك الجيل داخل مساحة ضيقة بين الجرأة والحذر، بين الرغبة في القول والخوف من تبعات القول. ومع ذلك كتبوا، ليس لأن الطريق كان سهلًا، بل لأنه لم يكن هناك طريق جاهز أصلًا.
ثم جاءت التحولات الكبرى، الإعلام الورقي بدأ يتراجع، والمنصات الرقمية بدأت تتوسع، ومعها تغيّر شكل العلاقة بين الكاتب والقارئ، لم يعد هناك انتظار طويل ولا مسافة فاصلة بين الفكرة وردة الفعل،كل شيء أصبح فوريًا: النشر، التفاعل، النقد، وحتى الهجوم.
وهنا تكمن المفارقة التي أشارت إليها حليمة مظفر: أن الجيل الذي عاش “البناء البطيء”وجد نفسه فجأة في عالم “السرعة المطلقة”.
جيلٌ تعلم أن الكلمة تُراجع، ثم تُنشر، ثم تُناقش، فجأة أصبح يرى الكلمة تُنشر أولًا، ثم تُحاكم في اللحظة نفسها.
هذا التحول لم يكن تقنيًا فقط، بل كان نفسيًا أيضًا، لأن الكاتب الذي اعتاد أن يفكر طويلًا قبل أن يكتب، وجد نفسه أمام جمهور يكتب بسرعة، ويحكم بسرعة، وينسى بسرعة، وهنا بدأ الاختلاف في الإيقاع، لا في الفكرة فقط.
يقول المتنبي “على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ”، وكأن البيت يلخص تجربة ذلك الجيل الذي لم يكن “أسرع” من غيره، بل كان “أعمق”في زمنٍ لم يكن يسمح بالعمق بسهولة.
لكن خلف هذه الصورة العامة، هناك جانب إنساني غالبًا لا يُرى، ذلك الكاتب الذي كان ينتظر نشر مقاله في الصحيفة، لم يكن ينتظر شهرة، بل كان ينتظر أن يُسمع، كان يشعر أن الكلمة ليست مجرد رأي، بل محاولة وجود، أن تقول شيئًا يعني أن تقول: “أنا هنا”.
ولذلك حين تتحدث حليمة مظفر عن جيلها، فهي لا تتحدث من موقع التفوق، بل من موقع “الذاكرة”، ذاكرة من عاش التحول بكل قسوته ودهشته: كيف يتحول الكاتب من انتظار الصحيفة إلى مواجهة الشاشة المفتوحة؟ كيف تتحول الكلمة من حدث نادر إلى تدفق يومي لا يتوقف؟
وفي المقابل لا يمكن إنكار أن الجيل الجديد وجد فرصًا لم تكن موجودة: مساحة أكبر، حرية أوسع، وأدوات وصول غير مسبوقة، لكن ما تشير إليه التجربة ليس تقليلًا من هذا، بل تنبيهًا إلى شيء أعمق: أن سهولة الطريق لا تعني أنه لم يكن هناك طريق صُنع قبل ذلك.
يقول أحد المعاني المتداولة في النقد العربي القديم: “ليس الفضل في أن تصل، بل في أن تمهّد الوصول لغيرك”، وهذا بالضبط ما يمكن قراءته في تجربة ذلك الجيل: لم يكونوا مجرد مستفيدين من زمنهم، بل كانوا جزءًا من صناعته.
إن أكثر ما يوجع في شهادة هذا الجيل ليس التعب ذاته، بل شعور خفي بأن أثره أصبح “بديهيًا” لدرجة أنه لم يعد يُرى، كأن الطريق وُجد هكذا دائمًا، دون أن يُسأل: من حفره؟ ومن مشى فيه أولًا؟ ومن تعثر حتى صار السير عليه ممكنًا؟
في النهاية ليست القضية جيلًا أفضل من جيل، ولا زمنًا أرقى من زمن، القضية أعمق من ذلك: أن كل ما نراه اليوم “سهلًا” كان يومًا ما “مستحيلًا صغيرًا” تم تكراره حتى أصبح واقعًا.
والأجيال مهما اختلفت أدواتها، تظل مرتبطة بخيط واحد: أن أحدهم في مكان ما بدأ أول خطوة، دون أن يضمن أن أحدًا سيكمل بعدها.
م. سعيد رجاء الأحمري
@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون