مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“الحجاب”.. من فريضة تُفهم إلى هوية تُعاش بوعي

لم يكن الحجاب في الإسلام يومًا تفصيلًا شكليًا أو ممارسة اجتماعية عابرة، بل جاء بوصفه جزءًا أصيلًا من بناءٍ إيمانيٍّ وأخلاقيٍّ متكامل، يبدأ من الداخل ويظهر في الخارج. وحين نقرأ آيات الحجاب في سياقها القرآني، نكتشف أن التشريع لم يأتِ فجأة، ولم يُوجَّه للمرأة عبثًا، بل بُني على تدرّجٍ واعٍ، وارتبط بمستوى الوعي الفردي والمجتمعي، وارتقى بالحجاب من مجرد لباس إلى هوية.

في جوهره، لا يقتصر الحجاب على ستر الجسد، بل هو ستر للمنهج؛ ستر للفكر من الانحراف، وللمشاعر من الانفلات، وللسلوك من التعدّي. ثم يأتي ستر الجسد تتويجًا طبيعيًا لمنظومة داخلية سابقة، لا بديلًا عنها. ولهذا كان الحجاب قيمة تُغرس قبل أن تُلبس، ووعيًا يُربّى قبل أن يُفرض.

وجاءت سورة النور لتؤسس هذه القاعدة بوضوح، حين خاطب القرآن الرجل والمرأة معًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ثم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾. فلم يبدأ التشريع باللباس، بل بدأ بغضّ البصر، وضبط الشهوة، وتزكية القلب. وهنا تتجلّى العدالة القرآنية في تحميل المسؤولية الأخلاقية للطرفين معًا، حيث يتساوى الرجل والمرأة في الحجاب الروحي، والحجاب المشاعري، والحجاب السلوكي، ليأتي الحجاب الجسدي لاحقًا بوصفه الحدّ الظاهر لمنظومة باطنة مكتملة.

ثم جاءت آية الحجاب في سورة الأحزاب لتنتقل بالحجاب من مستوى البناء الأخلاقي العام إلى مستوى الهوية الظاهرة والتكريم الاجتماعي، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.
فلم يكن الخطاب هنا مجرد توجيه بالستر، بل إعلانًا لهوية تُرى، ومقامٍ يُصان، وتمييزٍ تشريفيٍّ يحفظ للمرأة حضورها وكرامتها في الفضاء العام. فجعل الجلباب إطار الحجاب الجسدي، يُدنى من الرأس والنحر، وينسدل على الجسد، محققًا الستر والوقار، ومتوافقًا مع حجاب المرأة في صلاتها مع ظهور الوجه والكفين باعتبارهما موضع الحاجة والتعامل.

ويؤكد القرآن مقصد هذا التشريع بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، فالحجاب هنا تعريف بالانتماء، وحماية للكرامة، ورسالة أخلاقية صامتة تقول إن المرأة المسلمة تُعرَف بقيمها قبل مظهرها، وتُصان لا تُستباح.

واللافت في الآية أنها لم تقل: قل للمؤمنات، بل قالت: ﴿نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي دلالة قرآنية عميقة تُعيد مسؤولية الحجاب إلى المجتمع بأسره، وتربطه بالقِوامة بوصفها مسؤولية تربية وبناء وعي، لا سلطة توجيه وأمر. فالحجاب في الإسلام ليس مسؤولية المرأة وحدها، بل مرآة لمستوى وعي الرجل القوّام، والأب، والولي، الذي يُفترض به أن يغرس قيم الحياء والحجاب في الذكر والأنثى منذ الطفولة، لا أن يُلقي العبء على الأنثى فجأة عند البلوغ.

ومن هنا يمكن قراءة الحجاب بوصفه مؤشرًا على موقع المجتمع في سلّم الوعي الإسلامي، الذي يبدأ بالإسلام، ثم الإيمان، فالتقوى، فالإحسان، ثم الأبرار، وأصحاب اليمين، والمقرّبين. فكلما ارتقى الرجل في هذا السلّم، انعكس ذلك أمنًا في بيته، وحياءً في أسرته، وحجابًا واعيًا في نسائه. فالمرأة التي تعيش الحجاب روحًا ومشاعر وسلوكًا لم تصل إليه مصادفة، بل نشأت في بيتٍ غُرس فيه الإيمان قبل الأوامر، والهوية قبل الشكل.

ومن أخطر ما يُفرغ الحجاب من معناه تقديمه كعادة اجتماعية؛ لأن العادات تزول بتغيّر الزمان وتحوّل الاحتياجات، أما الفرائض فتبقى شامخة كشموخ الجبال، لا تهزّها الضغوط ولا تُسقطها الموضات. ولهذا فإن الرجل الذي بلغ الإيمان الحق يربي أبناءه، ذكورًا وإناثًا، على أن الحجاب فريضة إلهية، وهوية إيمانية، وعزّ لا يُساوم عليه.

إن الحجاب في الإسلام ليس قضية امرأة، بل قضية وعي أمة، وتفضيل تشريف، وبوصلة أخلاقية لمجتمع يعرف من هو، وإلى من ينتمي. وحين يُعاش الحجاب بوعي، لا يحتاج إلى دفاع؛ لأنه هو من يدافع عن صاحبه، ويحفظ كرامته، ويثبت هويته، ويبقى راية عزّ لا تنكسها العصور.

 

نوف التويجري
⁦‪@coach_nouff‬⁩
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop