مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الحميّة حين يصبح الوطن خطاً أحمر

في الذاكرة العربية القديمة لم تكن “الحميّة” عيبًا كما يحاول البعض تصويرها اليوم، بل كانت خُلُقًا عربيًا أصيلًا يولد مع الكرامة والفطرة. أن تغضب لأهلك، أن تنتصر لقبيلتك، أن ترفض الإساءة لمن تمثّلهم، لم يكن ذلك تطرفًا أو مبالغة، بل كان جزءًا طبيعيًا من معنى الانتماء.

العربي قديمًا كان يثور من أجل بيت شعر قيل في قومه، أو كلمة انتقصت من قبيلته، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بوطنٍ كامل، بتاريخ، وقيادة، وشعب، وهيبة دولة؟ هنا تصبح “الحميّة” ليست مجرد شعور عاطفي، بل إحساسًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تبرير.

ولكي لا يختلط الأمر على أحد، فالسعودية أكبر من كل المسيئين، وأقوى من أن تهتز أمام هرطقات عابرة أو حملات مؤقتة. هذا وطن قامت مكانته على التاريخ والثقل والتأثير، لا على رأي عابر أو صوت مأجور.
وقيادته كانت دائمًا أوسع صدرًا وأكثر حكمة من الانجرار خلف الضجيج، وقد رأينا مرارًا كيف تعاملت المملكة بثقة الكبار حتى مع من تجاوز عليها أو أخطأ بحقها.

لكن الحديث هنا ليس عن الوطن، فالوطن يعرف حجمه جيدًا، ولا يحتاج لمن يطمئنه على مكانته. الحديث عن أولئك الذين يمنحون المساحات، ويوجهون الدعوات، ويقدّمون بعض المسيئين وكأنهم شخصيات طبيعية في المشهد، دون أن يتوقفوا أمام تاريخهم العدائي، أو يسألوا أنفسهم السؤال الأهم: أين الحميّة؟

المستفز ليس وجود المختلف معنا، فالدول الكبيرة لا تخشى الاختلاف، والمملكة تحديدًا أثبتت أنها أكبر من أن ترتبك من رأي أو نقد. لكن الاستفزاز الحقيقي يبدأ حين يتحول بعض من أساؤوا للمملكة علنًا، وشيطنوا مواقفها، وحرّضوا ضدها، إلى ضيوف دائمين في البرامج والمهرجانات والمنابر الإعلامية، وكأن شيئًا لم يكن.

لا حديث هنا عن رأي عابر أو اجتهاد أخطأ صاحبه، بل عن أصوات مارست الإساءة بوعي، وبعضها لا يزال حتى اليوم يكرر الخطاب ذاته دون اعتذار صريح أو حتى إشارة ندم واحدة. وهنا يبرز السؤال الذي يشعر به المواطن البسيط قبل المثقف: كيف يمكن لمن لم يحترم هذا الوطن أن يُقدَّم لاحقًا كضيف شرف فيه؟

المشكلة ربما ليست دائمًا في الدعوات نفسها، بل أحيانًا في غياب الحس الوطني العميق، أو عدم إدراك خطورة تبييض صورة المسيء أمام الناس. لأن المواطن السعودي قد يتجاوز الإساءة الشخصية بسهولة، لكنه لا يتجاوز الإساءة لوطنه، فالأوطان عند الشعوب الحقيقية ليست مادة للنقاش البارد، بل قضية كرامة وهوية.

السعوديون بطبعهم أهل وفاء وتسامح، لكنهم أيضًا أصحاب حميّة عالية تجاه وطنهم. وهذه الحميّة ليست تشددًا، بل انعكاس طبيعي لعلاقة استثنائية بين الشعب ووطنه وقيادته. فالأمم لا تفقد هيبتها من أصوات المسيئين، بل حين يعتاد بعض أبنائها على الإساءة حتى تصبح أمرًا عاديًا لا يوقظ فيهم شيئًا.

 

سعيد رجاء الأحمري
‏@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop