مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الدفع المؤجل.. الفخ الذي لا يُرى

في إحدى الأمسيات، وبين حديث عابر مع صديقي؛ قال لي بهدوء جملة صدمتني: “راتبي يتجاوز خمسة وخمسين ألف ريال ومع ذلك ما يكفيني”!

لم يكن الحديث مجرد شكوى، بل كان وصفًا واقعياً لطريقة حياة صامتة لم يشعر بها إلا بعد أن تراكمت التزامات صغيرة لم يلتفت لها في البداية.

سألته أين يذهب كل هذا؟ ابتسم ابتسامة قصيرة وقال: “ما عندي قروض ضخمة  بس أقساط صغيرةكثيرة”.

بدأ يحكي قصته وكيف كانت البداية بريئة جدًا: قسط صغير لمنتج لا تتجاوز أقساطه بضع مئات، لم يشعر بثقل القرار بل بدا له ذكيًا ومريحًا، ومع كل تجربة جديدة أصبح الاعتماد على هذه الأقساط أسهل والتساهل معها أكثر، حتى لم يعد يشتري المنتجات فقط، بل يوقع على التزامات شهرية تتراكم بصمت، لتظهر آثارها فقط حين ينتهي الشهر ويختفي الراتب بسرعة لا تُفسر.

قصة جاري ليست فردية، بل نموذج متكرر لواقع مالي جديد. فالديون لم تعد ثقيلة تصرخ لتحذرنا، بل صامتة خفيفة في البداية، سهلة الوصول مغلفة براحة مؤقتة لكنها تتحول إلى عبء صامت يلتهم الدخل.

لم يعد القرار المالي يعتمد على القدرة على الدفع، بل على سهولة التأجيل وهذا الفرق البسيط يُعيد تشكيل سلوك المستهلك من دون أن يشعر.

المشكلة لا تكمن في الأقساط نفسها، بل في تراكمها وصغر حجمها الظاهر.

حين تدفع مئتي ريال اليوم يبدو الأمر بسيطًا، لكن حين تتكرر هذه الدفعات عشرات المرات شهريًا يصبح الرقم كبيرًا والالتزام غير مرئي حتى يسيطر على حياتك المالية.

هذا الانزلاق التدريجي هو ما يحول الدفع المؤجل من خيار مريح إلى فخ صامت. والأخطر أن هذا النمط لا يستثني أحدًا،  بل قد يكون أكثر شيوعًا بين أصحاب الدخل المرتفع.

شعورهم بالقدرة على الدفع يمنحهم مجالًا أكبر للتساهل فيبدو كل قسط صغير غير مؤثر،  ويتكررحتى يصل الأمر إلى مرحلة يصبح فيها الاعتماد على الأقساط أسلوب حياة كامل، يغطي الكماليات وحتى الاحتياجات الأساسية.

حين يتحول شراء مقاضي المنزل أو مصاريف يومية إلى أقساط، لم يعد الدخل مهما مرتفعًا كافيًا لتغطية أسلوب الحياة الجديد.

هنا تظهر الديون الصامتة التي لا تصرخ لكنها تسرق الشعور بالأمان المالي تدريجيًا، وتخلق ضغطًا مستمرًا دون أن يلاحظ الفرد حجمها الحقيقي إلا بعد فوات الأوان.

الحل لا يكمن في رفض هذه الأدوات، فهي جزء من التطور المالي الحديث وقد تكون مفيدة عند استخدامها بوعي، بل في إعادة النظر في طريقة استخدامنا لها. الوعي المالي هو مفتاح النجاة،  أن تدرك أن كل “قسط مؤجل” هو التزام حاضر، وأن السهولة اليوم لا تعني غياب العبء غدًا، أن تميز بين ما تحتاجه فعلًا وما تريده فقط، وأن تضع حدودًا صارمة لما يمكنك تحمله دون ضغط، هو ما يحميك من الوقوع في الفخ الصامت.

ومن هذا المنطلق أود أن أشارك موقفي الشخصي بوضوح: أنا شخصيًا لا أتعامل ولن أتعامل أبدًا مع هذه التطبيقات أو هذا الأسلوب في الشراء، كما أنني أعتبره سلوكًا ماليًا ممنوعًا تمامًا على جميع أفراد أسرتي، ولا أسمح به مهما كانت المبررات أو الظروف، هذه القاعدة أصبحت جزءًا أساسيًا من ثقافة الأسرة لحماية المال والاستقرار المالي على المدى الطويل.

كما أن البيئة التنظيمية لها دور محوري، يجب وضع حدود واضحة للالتزامات مقارنة بالدخل، توفير شفافية كاملة للمستخدم حول إجمالي ما عليه، وتعزيز التوعية المالية المدمجة في تجربة استخدام هذه التطبيقات، لضمان أن لا تتحول السهولة إلى فوضى مالية مستترة.

ما نعيشه اليوم ليس مجرد تحول في وسائل الدفع، بل تغيير جذري في ثقافة الاستهلاك، وإذا لم يُقابل هذا التحول بوعي حقيقي، فإننا سنستمر في دفع ثمن “الراحة المؤقتة”على شكل التزامات طويلة ترافقنا بصمت حتى تُرهق حياتنا.

في نهاية الحديث قال جاري جملة تختصر كل شيء: “المشكلة ما كانت في أول قسط،  المشكلة أني ما انتبهت إلا بعد ما كثرت”، وهذه هي الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، أن الخطر لا يبدأ كبيرًا بل صغير جدًا، لدرجة أننا لا نراه إلا بعد أن يصبح مؤثرًا بشكل لا يُحتمل. وفي عالم أصبح فيه كل شيء مؤجلًا، يبقى السؤال الأهم: هل نملك ما نشتري أم أن ما نشتريه هو من يملكنا؟

سعيد رجاء الأحمري

‏@Historian2080

عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop