لعقود طويلة، كنا نرى المشاركة المجتمعية في صورتها الأقرب إلينا: حضور في قاعات الاجتماعات، أو مبادرات ميدانية يلتقي فيها الناس وجهاً لوجه.. لكن المشهد تغيّر بهدوء؛ انتقلت مساحات الحوار من “براحة الحي” إلى شاشات الهواتف، واتسعت الدوائر حتى أصبح لكل فرد مساحة يقول فيها ما يريد، في أي وقت.
في هذا الامتداد الرقمي الواسع، لم يعد التحدي أن يتحدث الناس، بل أن نجد طريقة حقيقية للإصغاء إليهم، فخلف هذا التدفق اليومي من الآراء والتجارب، يتشكل ما نسميه بالذكاء الجمعي؛ نبض متجدد يعكس احتياجات أفراد المجتمع وتطلعاتهم، لكنه يظل مشتتاً ما لم تُحسن قراءته.
وهنا، تبدأ مرحلة جديدة من المشاركة المجتمعية، لا تقوم فقط على الحضور، بل على الفهم العميق لما يقوله الناس حتى حين لا يقولونه بشكل مباشر.
في هذا السياق، يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة تُمكّن المنظمات من الإصغاء بعمق، لأنها قادرة على التقاط أنماط الشكوى، وقراءة أولويات الأحياء، واستشعار الفجوات الخدمية، الأمر الذي يعيد بدوره تعريف الحوكمة التشاركية، حيث لا تُبنى القرارات على التوقع فقط، بل على فهم حقيقي لنبض المجتمع.
وحين تُفعّل هذه القراءة داخل العمل التنموي، فإننا نقترب من جوهر التصميم التشاركي، ولكن بصيغة أكثر اتساعاً، حيث المشاركة لم تعد محصورة بمن يحضر الاجتماع، بل تشمل كل من عبّر عن رأيه، حتى ولو بتعليق عابر على إحدى المنصات، وعندما يرى الفرد أن صوته الرقمي انعكس على مشروع في حيه، أو خدمة لامست احتياجه، يتشكل لديه شعور صادق يتجاوز مجرد الرضا إلى الإحساس بالشراكة.
هذا التلاقي بين التقنية والمجتمع لا يصنع حلولاً أسرع فحسب، بل يعيد تشكيل رأس المال الاجتماعي في صورته الحديثة، فالثقة المؤسسية هنا تُبنى عبر استجابة ملموسة يشعر بها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، كما تتسع دوائر التمكين المجتمعي لتشمل فئات لم تكن حاضرة في المشهد، لتصبح المشاركة أكثر شمولاً.
في النهاية، تبقى التقنية مجرد وسيلة، لكن قيمتها الحقيقية تتحدد بكيفية توظيفها، وحين ننجح كمنظمات في تحويل الخوارزميات إلى أدوات إنصات حقيقي، فإننا لا نطوّر أنظمتنا فحسب، بل نعيد صياغة علاقتنا بالمجتمع نفسه؛ علاقة تقوم على الفهم والشراكة قبل القرار والتنفيذ.
د. يوسف الهاجري
@aboaadl2030
عضو جمعية إعلاميون