مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

السعودية بين الأصالة والحداثة

لا تُقاس الحضارة بعدد الأبراج ولا بسرعة الإنترنت، كما لا يُختزل التراث في أزياء قديمة أو حكايات تُروى على استحياء. الحضارة وعيٌ، والتراث هوية، وبينهما يقف المجتمع أمام سؤال دائم: كيف نتقدم دون أن نفقد أنفسنا؟

المجتمع السعودي اليوم يعيش مرحلة مفصلية؛ مرحلة لا تشبه بداياته التقليدية الخالصة، ولا تشبه بعدُ المجتمعات التي ذابت هويتها في تسارع الحداثة. إنه يقف في منطقة وسطى، حيث تسير الحضارة الحديثة والتراث في خطين متوازيين، لا يتقاطعان تصادمًا، ولا يذوب أحدهما في الآخر.

هذا التوازي لم يأتِ مصادفة، بل نتاج وعي تاريخي وديني واجتماعي عميق. فالقيم الإسلامية والعادات الاجتماعية شكّلت عبر عقود طويلة أساس السلوك والهوية، وجعلت المجتمع أكثر حذرًا في استقبال التغيير. لذلك جاءت التحولات الحديثة تدريجية، تحاول أن تُقنع لا أن تفرض، وأن تتكيّف لا أن تُلغي.

غير أن هذا التوازن، رغم جماله، ليس مضمون الاستمرار. الخطر لا يكمن في التطور نفسه، بل في كيفية استيعابه. حين تتحول الحضارة إلى استهلاك شكلي، وتُقاس الحداثة بما نلبس ونقلد، لا بما نفكر وننتج، تبدأ الهوة بالاتساع. عندها يصبح التراث مجرد ذكرى، وتغدو الحضارة واجهة بلا عمق.

وفي الجهة الأخرى، يكمن خطر معاكس لا يقل حدة؛ حين يتحول التراث من مرجعية أخلاقية وثقافية إلى جدار صلب يرفض أي تجديد. فالماضي الذي لا يُعاد فهمه يتحول إلى عبء، والهوية التي لا تتنفس تختنق.

الجيل الجديد اليوم هو نقطة الاختبار الحقيقية لهذا التوازي. جيل يعيش في عالم مفتوح، سريع، متغير، لكنه في الوقت ذاته يبحث عن معنى وانتماء. إن لم يجد في تراثه إجابة معاصرة، سيبحث عنها في أماكن أخرى. وإن لم تُقدَّم له الحضارة كمسؤولية ووعي، سيتلقاها كمنتج جاهز بلا سؤال.

نجاح المجتمع السعودي في هذه المرحلة لا يعتمد فقط على السياسات أو المشاريع الكبرى، بل على الوعي الثقافي اليومي: في التعليم، في الإعلام، في المحتوى، وفي الحوار بين الأجيال. فالحضارة التي لا تستند إلى قيم، تنهار عند أول اختبار، والتراث الذي لا يفسح مكانًا للحياة، يفقد أبناءه.

إن أعظم ما يمكن أن يحققه مجتمع ما، ليس أن يختار بين الماضي والمستقبل، بل أن يجعل منهما طريقًا واحدًا.. طريقًا يعرف من أين جاء، ويدرك إلى أين يتجه.

 

أ. هيا الدوسري
‏@HAldossri30
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop