كانت الشام، بجمالها وتاريخها العريق، عنوانًا للسلام والتنوع والحضارة. لكنها، كغيرها من مدن الوطن العربي، ذاقت ويلات الحرب والدمار، وشهدت فصولًا من الألم والتهجير والخراب. تحولت أحياؤها القديمة إلى أطلال، وسكنت الصمت جدرانها التي كانت تردد ضحكات الأطفال وأصوات الأسواق. لكن، كما تعوّد العالم من الشام، فإنها لا تموت، بل تنهض من الرماد.
مرت سنوات طوال وأهلها بعيدون عنها، قلوبهم معلّقة ببيوتهم، وشوقهم لا يبرد مهما طال الزمن. حتى جاء يوم التحرير، يومٌ استعاد فيه الوطن نبضه، وعاد الحق لأصحابه. يومٌ لم يُعلن فقط نهاية معركة، بل بداية حياة جديدة. الشام ليست مجرد مدينة…
إنها ذاكرةُ عطرٍ في قلب كل غريب،
وحكايةُ صبرٍ رواها الركام،
فإذا بها تنهض… كأنها لم تُكسر يومًا. فرحةالعودة..فرحة أمة
اليوم، ومع كل بادرة لعودة الشام إلى الصف العربي، تشتعل مشاعر الفرح في قلوب العرب من المحيط إلى الخليج. فكل لقاء، وكل مبادرة، وكل تواصل دبلوماسي يعيد للشام مكانتها، يُعد عيدًا مصغرًا في عيون شعوب المنطقة.
هذه العودة لا تعني فقط حضورًا سياسيًا في مؤسسات العمل العربي المشترك، بل تعني استعادة لدور ثقافي، وفكري، وفني غاب لفترة. تعني أن النبض عاد يتدفق في الجسد العربي المتعب، وأن الجراح بدأت تلتئم ولو ببطء. عدنا إلى الشام، فوجدنا الحجارة تبتسم رغم التشققات،والنوافذ المهشّمة تلوّح لنا وكأنها تقول:
“أخيرًا رجعتوا… تأخرتوا، بس رجعتوا. رائحة الخبز، صوت المؤذن، ضحكة الأطفال…كلها عادت مع أهل الشام،
في ذاكرة العرب، لا تُذكر الشام إلا مقرونة بالمجد، والحضارة، والثقافة، والعراقة. فالشام ليست مجرد رقعة جغرافية أو حدود سياسية مرسومة على خرائط العالم؛ بل هي قلب نابض في وجدان الأمة، ترمز إلى الأصالة، والوحدة، والجمال.
عندما عاد الناس إلى الشام، لم تكن العودة سهلة. وجدوا بيوتهم مهدّمة، وأسواقهم خالية، ومدارسهم مدمّرة. لكن رغم الحزن، كان في عيونهم إصرار، وفي قلوبهم أمل. بدأوا بتنظيف الشوارع، وإعادة ترميم الجدران، وبناء ما تهدّم. لم ينتظروا كثيرًا، فكل يوم كان فرصة جديدة لإحياء المدينة من تحت الركام.
عاد الأطفال يلعبون في الأزقة، وفتحت المحال أبوابها من جديد. تنفس الناس الحرية بعد طول حرمان، وعادوا يزرعون الأرض التي اشتاقت لخطواتهم. الشام عادت لأهلها، فعاد معها الفرح والطمأنينة والدفء.
لم تكن النهوض مجرد إعمار للحجر، بل كان إحياءً للروح. الشام أثبتت أنها مدينة لا تُكسر، وأن أهلها هم السرّ الحقيقي في قوتها. رغم الجراح، حملوا المعاول بدلًا من الأسلحة، وزرعوا الورود مكان الحطام، وغنّوا للحياة في قلب الدمار.
الشام اليوم تمشي بخطى ثابتة نحو مستقبلٍ أفضل، مستندة على ماضيها العريق، ومؤمنة بأن من يملك هذا الحب لوطنه، لا يمكن أن يُهزم.
لقد نزفت كثيرًا، وبكت بصمت طويل، لكنّها لم تُسلِم نفسها لليأس يومًا. في عيون أطفالها ووجوه شيوخها، حكايات لا تُروى بالكلمات، بل تُقرأ من ملامحهم الصامدة.
هي اليوم لا تبحث عن المجد كما في الأمس، بل عن الأمان، وعن صوت الحياة البسيطة… عن ضحكة أم، وعن رائحة قهوة في صباحٍ بلا قصف.
تزرع الشام أملًا جديدًا في كل شارع يُعاد ترميمه، وفي كل يدٍ تبني بدلًا مما هُدم. لا شيء فيها عاد كما كان، لكنها عادت… وهذا يكفي.
لأن العودة بعد الغياب، والقيام بعد السقوط… هو النصر الحقيقي الذي لا يُكتَب إلا للشجعان.
الشام عادت، والعرب فرحوا… وهذا الفرح ليس عاطفيًا فقط، بل هو فرح نابع من وعي بأن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وأن التاريخ حين يعيد لَملمة أطرافه، لا بد أن يمر من بوابة الشام.
ولعل هذه العودة تكون فاتحة خير، لعودة كل غائب، ولمّ شمل كل متفرق، ولبناء مستقبلٍ عربي يليق بعراقة الأمس، ويواجه تحديات اليوم بثقة وإيمان.
أ. نجاح الشمري
@Najeh-000
عضو جمعية إعلاميون