مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الشواهد الصامتة

في مسرح الحياة، لسنا جميعًا نلعب أدوارًا تتموضع للآخرين، بل هناك من يقدم رسالة، ويخلد أثرًا، دون أي دور ظاهر للعيان.
الكواليس شهود، التفاصيل الخفية شهود، وليس الجمهور وحده شاهدًا على المخرجات الإنسانية، لا سيما عندما لا تُمارس أدوارها ضمن تأطير جمعي متفق عليه.

ثمة شواهد صامتة، أبطالها مغمورون في الظل، وهذا لا يعني أن الأبطال المرئيين ليس لهم شواهد، بل هي علاقة تكاملية ترتخي وترتقي حسب الظروف..

يسري بي وحي الكتابة نحو الغيبيات الدنيوية، وما وراء اللغة، والملموس، والمرئي، والمكشوف، إلى جزئيات النضال المغمور، التي من فرط الإنهاك لا تستوقف صاحبها حين ينجز ويظفر ويحصد،
وأسأل نفسي: من الأحق بأن يكون شاهدًا؟
الصفة أم العائد؟ أم الإنسان الذي تمرّغ في تضاريس كل ذلك؟ أم الآخرون، بتباين مدركاتهم بين العمق والسطحية، والاعتدال والغلو، والإضرار والتلطف؟
من هو الأهل لأن يكون شاهدًا صامتًا في ظل وفرة المضامين المرسومة سلفًا لفكرة الاستحقاق والتميز والأفضلية؟

الحياة اليوم تزخر بالمناضلين، بعد أن كانوا قلةً تُغمر مسيرتهم، إلا عن عين تتعمق في كواليس الأشياء،
اليوم، الشجاعة أن تكون كثيرًا رغم وحدانيتك،
أن تُسيّر شواهدك لتغدو ظلًا لك حين لا يشهدك أحد،
أن تستثمر نورها في ظلامك، فتصبح أنت حجتها في غيابها.

أحاول دوزنة كل الشواهد التي أعرفها وتعرفني بحق،
بلا صوت ولا تأطير وثقته لقطة ما،
وأجيد تخليدها كما هي، حتى وإن شحّت الأنظار ولم يبلغ تقديرها عتبة روحي،
لأن غاية الإنسان المتسامي قسرًا، وليس ترفًا، ألا يحتجّ بإفلاسه، بل يعوّل على حصاده في هوة روحه، كيلا يفقد نُبل التنامي قلبًا وقالبًا كإنسان.

لا يبحث المرء غالبًا عن شواهده كي يؤطرها لغيره، بل ينزح الإنسان إلى شواهده التي تعرفه، لإحساسه بقيمته العليا في الدنيوي الذي يهشّمنا بطبيعته على الدوام، فيسترخي؛ لأنه لم يُلوّث بالكُلية، بل بقي على هيئته الأولى، تدوزنه آثاره رغم كل نشاز يخرّب صفاء المشهد.

أعود لأتأكد أن معادلة الشواهد بين ما وثقته خطواتي خارجًا وبين ما يستقر في روحي سلفًا على وئام وتكافؤ،
كي تحتفظ روحي بسكينة الأثر ويقينها نحو كينونة الشواهد أيًا كانت مرجعيتها، يكفي أن يكون لدى المرء شاهد؛ كي لا يتيه في عدمه.

ويظل السؤال الأهم، ليس في كون الشواهد صامتة أم مخلدة في متاحف الحياة للأعين والالتفاتات، بل متى يكون سلوكنا شاهدًا في أصله؟ وكيف نسترخي حين نُسخّر للظفر به، عوضًا عن الاحتقان لإثباته؟

أن نمارس الأشياء بجودة خالصة، تنبع من الداخل قبل تشكيلها في الخارج، الذي قد يتباين مع المضمون النفيس لها، أظن ذلك هو الفكرة الأصيلة الحُرة للشواهد.

ولعلمي المُسبق أننا في ظل معيشتنا نبني الشواهد بكل صيغة، لكنها لا تسفر عن نفعٍ أو قيمة ما لم ترتبط بالمتن الداخلي الذي يؤطرنا في عين ذواتنا، والذي يعد المحكّ الثمين الذي على إثره تحتكم مسيرتنا كبشر.

لا تُقاس الشواهد بمدى حضورها في الذاكرة الجمعية، ولا بعدد الألحاظ والهمسات نحوها، بل بأصالة الامتداد الذي تخلده في المتن الداخلي للإنسان، ذلك الامتداد الذي يقيّم الإنسان فعلًا، ويحدد ماهيته ويُخلدها، دون أن يقايض أثره بمرئية زائلة، في اعتقادي على الأقل.

 

أ. أروى الزهراني
‏@a10wa1
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop