لم تعد الشهرة في عصرنا مرآةً للتميّز أو دلالةً على الإنجاز، بل تحوّل مفهومها لدى البعض إلى مجرّد حضورٍ بصريٍّ صاخب، تُغذّيه الكاميرات وتُضخّمه منصّات التواصل، حتى بات البريق بديلاً عن القيمة، والظهور أهم من المضمون.
نعيش اليوم زمنًا تُصنع فيه الأسماء بسرعة، وتُمنح الأضواء لمن يُجيد لفت الانتباه لا لمن يُجيد العطاء. تُقاس المكانة بعدد المتابعين، وتُمنح صفة «المؤثّر» لمن يُجيد الاستعراض، بينما يُقصى أصحاب الفكر والعمل الحقيقي لأنهم لا يلهثون خلف المشهد.
الشهرة المُزيَّفة لا تُسيء إلى صاحبها فحسب، بل تُربك الوعي العام؛ إذ تُقدّم نماذج خاوية على أنها نجاحات يُحتذى بها، وتُعيد تشكيل الذائقة المجتمعية على معايير سطحية، تجعل من الضجيج إنجازًا، ومن التكرار حضورًا، ومن الصورة رسالة.
وما إن تخفت الأضواء، حتى ينكشف الفراغ. فالشُّهرة التي لا تستند إلى قيمة أو أثر، تذبل سريعًا، لأنها قائمة على لحظة لا على مسار، وعلى انبهار عابر لا على احترامٍ راسخ. بل قد تتحول إلى عبء نفسي على صاحبها، الذي يظل أسير صورةٍ مُصطنعة يخشى سقوطها.
الأخطر من ذلك، أن الشهرة المُزيَّفة تزرع في وعي الأجيال الصاعدة قناعة خطيرة: أن الطريق الأقصر هو الأنجح، وأن الظهور يغني عن العمل، وأن الصوت الأعلى هو الأحق. بينما تؤكد التجارب الإنسانية أن الأثر الحقيقي قد يتأخر، لكنه حين يصل يبقى.
إننا بحاجة ملحّة إلى إعادة تعريف النجاح، والتمييز بين شهرة تُمنح لأنها نتيجة طبيعية للعطاء، وأخرى تُصنع لأنها تجارة في الانتباه. فالقيمة لا تحتاج إلى فلاشات، والعمل الصادق لا يطلب الصفوف الأولى، لأن المكانة الحقيقية لا تُرى… بل تُحسّ وتُخلّد..
أ. فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون