مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الصحافة.. مسؤولية قبل أن تكون مهنة

اليوم، ومع تسارع تدفق المعلومات وتزاحم الأخبار الروايات، لم تعد الصحافة مجرد وظيفة تُمارَس، بل أصبحت موقفًا أخلاقيًا يُتَّخذ كل يوم. فالصحفي لا يحمل قلمًا أو كاميراً فحسب، بل يحمل أثرًا يمتد إلى عقول الناس، يُسهم في تشكيل وعيهم، وربما في توجيه قراراتهم. ومن هنا، فإن اختزال الصحافة في كونها “مهنة” فقط هو تبسيطٌ يُفقدها معناها الأعمق ودورها الأوسع.
في جوهرها، الصحافة هي مسؤولية. مسؤولية أن تنقل الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون. ومسؤولية أن يُقاوِم الصحفي إغراء السبق حين يتعارض مع الدقة، وأن يواجه الضغوط التي تحاول تزييف الواقع أو تجميله. إنها مسؤولية الوقوف بثبات في تلك المسافة بين ما يُقال وما يجب أن يُقال، بين ما يُرضي الجمهور وما يُنير وعيه.
غير أن المشهد الإعلامي اليوم يشهد تحولات متسارعة؛ حيث أصبحت السرعة معيارًا، والمشاهدات هدفًا، والانتشار غاية. وفي ظل هذه المعادلة، تنزلق بعض الممارسات نحو تسطيح القضايا أو تضخيم الهامش على حساب الجوهر. وهنا تحديدًا تتأكد الحاجة إلى التذكير بأن الصحافة ليست سباقًا نحو الأضواء، بل أمانة تُحمل أمام الناس والتاريخ.
ومن هذا المنطلق، لا يكتفي الصحفي الحقيقي بأن يسأل نفسه: “كيف أجذب الانتباه؟”، بل يسبق ذلك بسؤال أكثر صدقاً: “هل ما أنشره يستحق أن يُقال؟ وهل يُقال بالطريقة التي تليق بحقيقته؟”. هذا الوعي هو الفارق بين إعلام يعكس السطحية، وإعلام يُسهم في بناء الفهم وترسيخ المعنى.
وإذا كانت الصحافة تفقد بوصلتها الأخلاقية، فإن الخطر لا يتوقف عند حدود المهنة، بل يمتد إلى المجتمع كله. إذ قد تتحول الصحافة حينها إلى أداة لإعادة إنتاج التحيزات، أو منصة لتكريس الانقسامات. وعندها، لا تعود شاهدًا على الواقع، بل تصبح جزءًا من اختلاله.
في المقابل، حين تُمارَس الصحافة بوصفها مسؤولية، تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على الإضاءة والتقويم والمساءلة. تفتح النوافذ المغلقة، تمنح صوتًا لمن لا صوت لهم، وتُعيد ترتيب الأولويات في وعي المجتمع، بما يعزز الفهم ويقوّي الثقة.
ختاماً، ومع تزامن اليوم العالمي لحرية الصحافة ، تتجدد أهمية التذكير بأن الحرية في معناها ليست امتيازاً بلا قيود، بل مسؤولية تمارس بوعي ونزاهة. فحرية الصحافة لاتكتمل إلا حين تصان بالحقيقة والدقة، وتوجه لخدمة المجتمع، وتمارس بروح تحترم عقل المتلقي قبل أن تسعى إلى جذب انتباهة.

 

الحجاز الثقفي
@alhijazmusleh
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop