بين أروقة المحاكم،تخرج لنا الإحصائيات بنسبٍ مقلقة ومخيفة عن عدد حالات الطلاق والخلع؛ فمنها ما يحدث بعد مدة قصيرة من الزواج، ومنها ما يأتي بعد سنوات طويلة من بناء الأسرة ووجود الأبناء بمختلف أعمارهم، بل إن بعضها يقع بعد عمرٍ طويل من العِشرة والمودة. ويتجاوز الأمر أحيانًا حدود الانفصال إلى تبادل الأذى والشتائم وإظهار العيوب ونسيان الفضل والجميل، وقد يمتد ذلك إلى الأبناء فتجتمع مشاهد العقوق والقضايا المؤلمة التي تمس كرامة الأسرة، وتهدد كيان المجتمع واستقراره.
فالأسرة المتماسكة هي عماد المجتمع ونواته الأولى، وهي عنوان تقدمه واستقراره، وأيقونة نجاح الأبناء وتفوقهم. ومن هنا يبرز التساؤل المهم: ما أسباب هذه النسب المرتفعة؟ ومن يقف خلف هذا التصدع الأسري المؤلم؟
وهناك عدة أسباب لذلك، من أبرزها:
١/ الأسباب الماديةفالمال عصب الحياة، وحب المال فطرة جُبل عليها البشر، وعندما تقل النفقة أو تُحرم الزوجة والأبناء من حقوقهم المادية، تتحرك الكثير من دوافع الخلاف والنزاع. وقد أوجب الله النفقة على الزوج، وجعلها حقًا ثابتًا لا يجوز إنكاره أو التلاعب به أو الانتقاص منه، لما في ذلك من ظلم وإضرار بالأسرة.
٢/ الجفاف العاطفي والتصحر الوجدانيفالإنسان كائن تحركه المشاعر والأحاسيس، وله قلب يحتاج إلى الرحمة والاحتواء والاهتمام. وعندما تتحول الحياة الزوجية إلى جمود عاطفي وتصحر مخيف وإهمال للمشاعر والمتطلبات النفسية، تفقد الشراكة قيمتها، وتفقد الأبوة والأمومة معناهما الحقيقي، فلا تبقى رابطة تمنع الأذى أو تحفظ الود والرحمة، فتكون البيئة مهيأة لما نشاهده اليوم في أروقة المحاكم من خلافات وتمزق أسري.
٣/ ضعف التربية الأسرية وغياب الاحتواءالأبناء والبنات نعمة عظيمة من الله، ولهم حقوق في الرعاية والتربية والإنفاق والاهتمام والاحتواء والملاطفة، ومشاركتهم اهتماماتهم وصناعة الذكريات الجميلة معهم. كما أن من واجب الأب أن يكون قائدًا حكيمًا لأسرته، يدير شؤونها بالخوف من الله والعدل والإحسان، ويجمع بين الحزم واللين، ويحفظ أسرار بيته، وينشر المحبة والسلام بين أبنائه، ويعدل بينهم في المعاملة والعطاء دون تفرقة أو ظلم.
فالبيت الذي يقوم على الرحمة والعدل والاحتواء يخلق بيئة نفسية واجتماعية صحية ومتزنة، تكون سندًا للأب والأم عند الكبر، وعونًا لهما في مصاعب الحياة، فلا نرى أبًا مكلومًا بين أروقة المحاكم، ولا دموعًا تنهمر بعد فوات الأوان.
ويأتي بعد ذلك دور الأم، فالمرأة هي الشريكة والرفيقة وصاحبة الدور العظيم في جمع شمل الأسرة على الخير والمحبة والتسامح والعفو. وهي التي تعزز احترام الأب في نفوس الأبناء، وتحتوي المشكلات بحكمتها حتى لا تتسع الفجوات وتتكسر روابط العلاقات بين أفراد الأسرة.
فالأم الواعية تحرص على العدل بين أبنائها، وتغرس في بيتها القيم والأخلاق، وتحفظ أسرار أسرتها، وتظهر الجميل وتستر القبيح، وتتعامل مع زوجها باحترام ليحترمه الجميع ويقدّروه. فبيتها مملكتها، وهي الملكة فيه، تبنيه على الدين والأخلاق والرقي ومخافة الله، وعلى الرحمة والمودة والسكينة.
وبذلك نُسهم في بناء أسر مستقرة مطمئنة، ونحدّ من مشاهد النزاعات والقضايا الأسرية المؤلمة التي أنهكت المجتمع وأوجعت القلوب.
حفظ الله الجميع، وأدام على البيوت سكينتها وطمأنينتها، وجعلها عامرة بذكر الله، قائمة على الرحمة
بدرية المعجل
@ALmojiLBadria
عضو جمعية إعلاميون