في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يحتفي العالم بـاليوم العالمي للغة العربية، وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية لغةً رسمية ولغة عمل عام 1973، قبل أن تعلن منظمة اليونسكو لاحقًا هذا التاريخ مناسبةً عالمية للاحتفاء بالعربية ودورها الحضاري والثقافي والإنساني. ويأتي هذا اليوم تأكيدًا على مكانة اللغة العربية بوصفها إحدى أكثر لغات العالم انتشارًا وتأثيرًا، وحاملةً لإرث معرفي وديني وثقافي عتيق يمتد لقرون.
تتفرّد اللغة العربية بنظام اشتقاقي غني قائم على الجذر والوزن، يمنحها دقة ومرونة عالية في التعبير. وتمتاز بثراء مفرداتها وتنوّع دلالاتها، إلى جانب إعجازها البياني والبلاغي الذي بلغ ذروته في القرآن الكريم. كما تجمع بين الثبات عبر القرون والقدرة على التطوّر واستيعاب المصطلحات الحديثة، وتتميّز بمرونتها النحوية وتنوّع أساليبها. ويُضاف إلى ذلك انتشارها العالمي المرتبط بالدين والثقافة، وتوازنها الصوتي الذي ينسجم فيه اللفظ مع المعنى، وقدرتها الفائقة على التعبير عن المعاني المجرّدة والمحسوسة بدقة وجمال.
وتُعدّ اللغة العربية اليوم من اللغات العالمية الكبرى؛ إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن عدد مستخدميها يتراوح بين أكثر من 400 مليون إلى ما يقارب 450 مليون شخص حول العالم، وذلك بحسب منهجيات القياس التي تشمل المتحدثين الأصليين ومتعلمي اللغة كلغة ثانية. كما تُستخدم العربية في أكثر من 22 دولة كلغة رسمية، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية الإسلامية بوصفها لغة القرآن الكريم، ما يمنحها حضورًا روحيًا ومعرفيًا يتجاوز الحدود الجغرافية.
وفي هذا السياق، تضطلع المملكة العربية السعودية بدور محوري في رعاية اللغة العربية وتعزيز حضورها محليًا وعالميًا، انطلاقًا من مسؤوليتها الدينية والثقافية، وامتدادًا لرؤيتها الاستراتيجية في تعزيز الهوية الوطنية ودعم التعدد الثقافي. فمنذ تأسيس الدولة السعودية، شكّلت العربية محورًا رئيسًا في التعليم والقضاء والإدارة، واستمر هذا الاهتمام ليأخذ بعدًا مؤسسيًا ومنهجيًا في العقود الأخيرة.
وشهدت السنوات الماضية نقلة نوعية في الجهود السعودية مع إنشاء مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي يُعد أحد أبرز المشاريع اللغوية المتخصصة على مستوى العالم. ويعمل المجمع على تطوير اللغة العربية، ودعم استخدامها في مجالات التعليم والبحث والتقنية، ونشرها عالميًا من خلال برامج تعليمية وتدريبية موجّهة للناطقين بغيرها، إلى جانب إعداد المعاجم، وإطلاق المؤشرات اللغوية، وتطوير المحتوى الرقمي العربي، وتمكين تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمة اللغة.
كما أطلقت المملكة برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها، شملت برامج أكاديمية وانغماسية استقطبت متعلمين من عشرات الدول حول العالم، وأسهمت في رفع كفاءة المتعلمين لغويًا وثقافيًا، وتعزيز ارتباطهم بالعربية باعتبارها لغة معرفة وحوار. وتكاملت هذه الجهود مع مبادرات ثقافية ومعارض ومؤتمرات ومسابقات لغوية، هدفت إلى ترسيخ حضور العربية في البيئات الدولية، ودعم الباحثين والمختصين، وتحفيز الابتكار في تعليم اللغة.
وتنسجم هذه الجهود مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي أولت عناية خاصة بالهوية الثقافية، وتنمية القدرات البشرية، وتعزيز الدور الحضاري للمملكة، بما يجعل اللغة العربية عنصرًا فاعلًا في التنمية، وجسرًا للتواصل الحضاري مع العالم.
وفي اليوم العالمي للغة العربية، لا يقتصر الاحتفاء على لغةٍ عريقة، بل يتجاوز ذلك إلى تأكيد مسؤولية جماعية في حمايتها، وتطويرها، وتمكينها من مواكبة العصر. وتبرز التجربة السعودية نموذجًا عمليًا في الجمع بين الأصالة والتحديث، وفي تحويل اللغة العربية من وعاء تراثي إلى أداة فاعلة في التعليم، والثقافة، والتنمية، والحوار العالمي.
د. فيصل الحازمي
@F_11iza
عضو جمعية إعلاميون