كثيرًا ما نصادف مواقف نرى فيها صورًا صادمة من عقوق الأبناء لآبائهم، فنقف عندها بدهشةٍ مشوبة بالاستنكار، ونتساءل بحرقة: كيف يصل الإنسان إلى هذا القدر من الجفاء؟ وكيف تنطفئ في القلب مشاعر البر والرحمة التي فُطر عليها؟ غير أن هذه الدهشة، على مشروعيتها، كثيرًا ما تحجب عنا سؤالًا أكثر عمقًا: متى بدأ هذا العقوق؟ وهل وُلد فجأة، أم كان نتيجة مسارٍ طويل من الإهمال وسوء الفهم؟
لقد لخّص عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الحقيقة التربوية العميقة بقوله: «برّوا أبناءكم صغارًا يبرّوا بكم كبارًا»، وهي مقولة لا تُقرأ بوصفها نصيحة عابرة، بل قاعدة أخلاقية واجتماعية تؤكد أن البر ليس سلوكًا طارئًا يظهر عند الكِبَر، بل قيمة تُغرس منذ الصغر، وتنمو مع الأيام، وتترسخ بالممارسة والقدوة.
إن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الاحترام، ويُسمع فيها صوته، ويُحتضن خطؤه قبل صوابه، يكبر وهو يحمل في داخله رصيدًا من الامتنان والوفاء. أما من تربّى على القسوة، أو الإهمال العاطفي، أو التسلّط، فلا يُستغرب أن يكبر وهو عاجز عن التعبير عن البر، لا عنادًا بالضرورة، بل لأن قلبه لم يتعلّم هذه اللغة يومًا.
ولا يعني هذا الحديث تبرير العقوق أو التخفيف من بشاعته، فالعقوق مرفوض شرعًا، ومذموم أخلاقًا، ومُدان اجتماعيًا. لكنه دعوة صادقة لمراجعة الذات قبل إصدار الأحكام، وفهم السياق قبل الاكتفاء بالنتيجة. فالعلاقات الإنسانية، وخصوصًا داخل الأسرة، لا تُبنى على الأوامر، بل على التراكم العاطفي والتربوي.
لقد تحوّل البر عند البعض إلى مطلب يُرفع عند الحاجة، لا إلى ثقافة تُمارَس في الحياة اليومية. نطالب الأبناء بالبر، بينما نغفل عن برّهم صغارًا بالعدل، والإنصاف، والاحتواء، والكلمة الطيبة. ننسى أن البر دينٌ يُقضى في الصغر، ويُستوفى في الكِبَر.
لعلّ ما نحتاجه اليوم ليس فقط التنديد بمظاهر العقوق، بل إعادة إحياء مفهوم البر المتبادل، حيث تكون الأسرة مساحة أمان، لا ساحة صراع. فالأبناء مرآة تربيتنا، وما نزرعه في قلوبهم اليوم، سنراه غدًا سلوكًا ومواقف. وفي نهاية الأمر، لا نحصد إلا ما زرعناه.
أ. وفاء الشهري
@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون