تحملُ العُمرةُ في رمضانَ مكانةً خاصَّةً في الوجدان الإسلاميِّ، إذ تتضاعف الرَّغبة في أدائها خلال هذا الشهر؛ لما يحمله من قيمةٍ روحيَّةٍ عاليةٍ. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت التجربةُ تحوُّلاتٍ تنظيميَّةً لافتةً، لا سيَّما بعد إطلاق برامج تطويريَّة ضمن رُؤية السعوديَّة 2030، وفي مقدِّمتها برنامج خدمة ضيوف الرَّحمن، الذي انطلق قبل أكثر من سبع سنوات، مستهدفًا رفع الطَّاقة الاستيعابيَّة، وتحسين جودة الخدمات في مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة.
هناك مؤشِّرات واضحة على تطوُّر أدوات إدارة الحشود، خصوصًا عبر الحلول الرقميَّة التي أسهمت في تحسين التَّخطيط المُسبق، وتنظيم التدفُّقات. كما رفعت مشروعات البنية التحتيَّة، والتوسُّعات الكُبْرى في المسجد الحرام، القدرة الاستيعابيَّة إلى مستويات غير مسبوقة، مقارنةً بما كانت عليه قبل عقدين.
ومع ذلك، تكشفُ التجربةُ الميدانيَّةُ في مواسم الذِّروة من رمضانَ، عن تحدِّياتٍ لا يمكن إغفالها. فالحركة في المنطقة المركزيَّة قد تبدُو أحيانًا أقلَّ انسيابيَّةً ممَّا يُؤمَّل بعد سنوات من التَّطوير، مع مظاهر ازدحام وصعوبة تنقُّل، خاصَّةً لكبار السِّن والأُسر. هذه الملحوظات لا تنتقصُ من حجم العمل المُنجَز، لكنَّها تفتحُ بابًا مهمًّا لمواءمة التَّخطيط الإستراتيجيِّ مع التَّفاصيل التشغيليَّة اليوميَّة، بما يعزِّز جودة التجربة، ويجعلها قصَّةً إيجابيَّةً يرويها الزَّائرُ عند عودته، سفيرًا لانطباعٍ حَسنٍ يتجاوز حدود الرحلة.
اقتصاديًّا، يظلُّ تضخُّم الأسعار خلال الموسم محلَّ نقاش متكرِّر، سواء في السَّكن، أو النَّقل، أو الباقات الخدميَّة. ورغم أنَّ منطق العرض والطَّلب حاضرٌ في مختلف الوجهات الدِّينيَّة والسِّياحيَّة عالميًّا، فإنَّ هذه الارتفاعات قد تشكِّل عبئًا على شريحةٍ من الرَّاغبين في العُمرة، بما يستدعي مزيدًا من التَّوازن؛ حفاظًا على مبدأ التَّيسير المُرتبط بالشَّعيرة.
بعد أكثر من سبع سنوات على انطلاق البرامج التطويريَّة، تبدُو الحاجة قائمةً لمراجعات تشغيليَّة دقيقة، تركِّز على جودة التجربة بقدر تركيزها على الأرقام الاستيعابيَّة. فنجاح العُمرة في رمضانَ لا يُقَاس بعدد المُعتمرِينَ فحسب، بل بمدى سهولة الحركة، وعدالة التَّكلفة. التحدِّي اليوم هو الانتقال من تطوير البنية، إلى إتقان التَّفاصيل، ومن تحسين الصورة، إلى ترسيخ التجربة.
د. سعود الغربي
S_F_Algharbi@
مؤسس ورئيس “إعلاميون”