مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“الغياب”.. الصحي؟

في عالمٍ لا يتوقف عن الركض، أصبح الإنسان مُطالبًا بأن يكون حاضرًا طوال الوقت؛ حاضرًا في العمل، وفي العلاقات، وفي مواقع التواصل، وحتى في مشاعره. وكأن التعب تهمة، وكأن الاختفاء المؤقت جريمة تستوجب التبرير. بينما الحقيقة التي لا يدركها الكثير، أن بعض الغياب ليس انسحابًا… بل نجاة.

هناك مرحلة يصل إليها الإنسان يشعر فيها أن الضوضاء من حوله أصبحت أعلى من قدرته على الاحتمال، وأن روحه استُهلكت في التفاصيل، والالتزامات، والمجاملات، ومحاولات الثبات المستمرة. فيقرر أن يأخذ “بريك راحة”، لا لأنه تغيّر، بل لأنه يحاول ألّا ينكسر.

الغياب المؤقت ليس قسوة، وليس تجاهلًا، وليس دائمًا رسالة غضب كما يعتقد البعض. أحيانًا يكون أرقى أنواع المحافظة على النفس. فالعقل حين يزدحم، والروح حين تُرهق، يحتاج الإنسان إلى مساحة صامتة يعيد فيها ترتيب داخله بعيدًا عن الضجيج والأسئلة والتوقعات الثقيلة.

نحن لا نحتاج دائمًا لمن يُحاسبنا على اختفائنا، بل لمن يفهم أن الصمت أحيانًا طريقة علاج، وأن الابتعاد المؤقت قد يكون محاولة لترميم شيء انهكته الحياة بصمت. فليس كل من ابتعد قد نسي، وليس كل من صمت لا يشعر، فبعض الأرواح تتعب دون أن تشتكي.

المؤلم أن هذا العصر جعل الراحة تبدو كسلًا، وجعل الانقطاع المؤقت تصرفًا غير مبرر، بينما الإنسان ليس آلة تعمل بلا توقف. حتى المشاعر تُرهق، وحتى القلوب تحتاج إلى هدنة قصيرة تستعيد فيها قدرتها على الاستمرار.

“بريك الراحة” ليس ضعف شخصية، بل نضج. هو إدراك عميق بأن الاستمرار تحت الضغط الدائم قد يطفئ الإنسان من الداخل دون أن يلاحظ أحد. لذلك أحيانًا يكون القرار الأكثر شجاعة هو أن تتوقف قليلًا، أن تختفي لبعض الوقت، أن تعود إلى نفسك قبل أن تفقدها بالكامل.

وفي النهاية، لا بأس أن تغيب يومًا أو أسبوعًا أو حتى فترة طويلة لتلتقط أنفاسك. لا بأس أن تختار سلامك النفسي على الضجيج، وراحتك على الاستنزاف. لأن الإنسان حين يمنح نفسه فرصة للراحة، لا يهرب من الحياة؛ بل يعود إليها بروحٍ أكثر اتزانًا وقوة.

 

ملاك الخالدي
@mm60070
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop