ليست كل الملاحظات بريئة، ولا كل أشكال النقد مهنية كما تبدو. ففي بعض الأحيان، يختبئ الحسد خلف لغةٍ منمّقة، ويتقمص الغيرة دور الناقد الموضوعي، بينما الحقيقة مختلفة تماماً.
هناك أشخاص لا يستطيعون رؤية أحد يحقق حضوراً، أو يترك أثراً، أو يحظى باهتمام الناس، دون أن يشعروا بانزعاج داخلي يدفعهم إلى المراقبة المستمرة، والتدقيق المبالغ فيه، ومحاولة التقليل من كل ما يقدمه ذلك الشخص.
والأغرب من ذلك أن هذا النوع من الناس يظن أنه ذكي في إخفاء مشاعره، بينما تصرفاته تفضحه أكثر مما يتخيل. فالإنسان الطبيعي لا يستهلك وقته في تتبع شخص لا يعني له شيئاً. لا يقرأ كل ما يكتب، ولا ينتظر كل منشور، ولا يفتش بين السطور عن زلة لغوية أو تعبير يمكن تضخيمه. هذه ليست مهنية، بل حالة انشغال عاطفي وفكري بشخص آخر أصبح يشغل مساحة كبيرة من تفكيره.
في الوسط الإعلامي خصوصاً، تظهر هذه الشخصيات بكثرة. تجد إعلامياً يفترض أن يكون منشغلاً بصناعة محتوى يرفع من قيمته، أو تطوير أدواته، أو تقديم رسالة تليق باسمه، لكنه بدلاً من ذلك يتحول إلى مراقب دائم لنجاحات الآخرين. يتابع التفاصيل الصغيرة، يحصي الكلمات، يضخم الأخطاء العابرة، ويتعامل مع أي حضور لغيره وكأنه تهديد شخصي لمكانته.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالإنسان الواثق من نفسه لا يشعر بالخطر من نجاح الآخرين. بل على العكس، يرى في نجاح غيره دافعاً للتطور والإبداع. أما المهزوز من الداخل، فإنه يعتبر أي تميز حوله إهانة غير مباشرة له، فيبدأ بالدخول في منافسة صامتة لا يعترف بها علناً، لكنها تظهر في تصرفاته، وتعليقاته، وطريقة حديثه.
الغيرة لا تأتي دائماً على شكل هجوم مباشر. أحياناً تأتي في صورة “تصحيح دائم”، أو “حرص مبالغ فيه”، أو نقد متكرر يحمل نبرة استعلاء واضحة. وقد يتعمد البعض التقليل من قيمة ما تكتب عبر التركيز على خطأ بسيط، متجاهلين الفكرة الأساسية أو الرسالة الحقيقية للنص. ليس لأن النص سيئ، بل لأنهم لا يريدون الاعتراف بأنك استطعت الوصول والتأثير.
بعض العقول تؤلمها رؤية شخص يملك قبولاً طبيعياً بين الناس. لأن القبول الحقيقي لا يُشترى، ولا يُفرض بالقوة، ولا تصنعه الادعاءات. إنه رزق ممزوج بالكاريزما، والصدق، والحضور، والقدرة على لمس الناس بالكلمة والفكرة. وهذا ما يزعج أصحاب التصنع، لأنهم يدركون في أعماقهم أن التأثير الحقيقي لا يأتي بالصراخ ولا بالاستعراض.
المؤلم أكثر أن بعض المنتقدين يتحولون مع الوقت إلى أسرى لمن يراقبونه. تجدهم يحفظون تفاصيله، يتابعون توقيت ظهوره، يراقبون ردود الأفعال حوله، وربما ينتظرون أي تعثر ليشعروا براحة مؤقتة تعوض شعور النقص بداخلهم. وهنا يصل الإنسان إلى مرحلة خطيرة، حين تصبح حياته مرتبطة بسقوط غيره أكثر من ارتباطها بنجاحه الشخصي.
لكن الحقيقة التي لا يفهمها هؤلاء أن التدقيق المبالغ فيه لا يضعف الشخص الناجح، بل يمنحه دليلاً إضافياً على تأثيره.
فالناس لا تراقب الأشخاص العاديين بهذا الشغف. ولا تستهلك طاقتها في متابعة من لا يشكل لها أي حضور. وحين يتحول شخص ما إلى محور مراقبة مستمرة، فهذا يعني أنه استطاع أن يفرض نفسه في مساحة يصعب تجاهلها.
الكتابة الحقيقية ليست استعراضاً لغوياً فقط، بل انعكاس وعي وتجربة وشخصية.
ومن يكتب بصدق قد يخطئ أحياناً، لأن البشر ليسوا آلات. لكن الفارق أن صاحب الرسالة يواصل طريقه، بينما يقف المتربص عند كل فاصلة وكأنه حقق انتصاراً عظيماً.
الناجح الحقيقي لا يخاف من وجود الناجحين حوله، لأنه يعلم أن الساحة تتسع للجميع. أما العقلية المحدودة، فترى أن أي نجاح لغيرها يعني خسارة لها، ولذلك تعيش في توتر دائم، ومقارنات لا تنتهي، ومعارك وهمية لا يعلم بها إلا أصحابها.
ولهذا، لا تجعل كثرة المراقبة تربكك، ولا تسمح للنقد المغلف بالغيرة أن يهز ثقتك بنفسك. استمر في الكتابة، واستمر في الحضور، واستمر في تطوير نفسك. فمن يصنع أثراً حقيقياً سيجد دائماً من يحاول التقليل منه، وهذه ضريبة كل شخص اختار أن يكون ظاهراً ومؤثراً.
وفي النهاية، تذكّر دائماً؛ بإن هناك فرق كبير بين ناقد يريد أن يراك أفضل، وشخص يتمنى أن يراك أقل. الأول يمنحك ملاحظة باحترام ثم يمضي، أما الثاني فيبقى عالقاً بك لأنه يرى فيك شيئاً لم يستطع الوصول إليه.
الجوهرة ال مرعي
@c3w125
عضو جمعية إعلاميون