تعيشُ بعضُ التخصُّصات الأكاديميَّة اليوم، مرحلةً حرجةً، تتمثَّل في تقليص الأقسام، أو دمجها، وربَّما إلغائها، وأقسام الإعلام ليست بعيدةً عن هذه التحوُّلات القاسية. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوَّة: لماذا أصبحت كليَّاتُ الإعلام عاجزةً عن إقناع السوق بخرِّيجيها رغم الانفجار الهائل في صناعة الإعلام؟
المشكلة لم تعدْ في “الإعلام” كمهنةٍ، فالعالم يعيشُ أكبر طفرة إعلاميَّة في التاريخ، لكنَّ الأزمة الحقيقيَّة في البطء الأكاديميِِّ وعجزه عن مواكبة التحوُّلات المتسارعة. صناعة الإعلام اليوم قائمة على المنصَّات الرقميَّة، والذكاء الاصطناعيِّ، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى القصير، واقتصاد التأثير، بينما لا تزال بعضُ الأقسام غارقةً في تدريس نظريَّات تقليديَّة، ومقرَّرات تجاوزها الواقعُ منذ سنوات طويلة، ومن يدرسها يفتقد -بكلِّ أسفٍ- مهارات صناعة ما يدرسه، وغارق في النظريِّ، وبعيد -كلَّ البعدِ- عن التَّطبيق العملي، لذلك «فاقدُ الشَّيءِ لا يُعطِيه».
الأخطرُ أنَّ جزءًا من الكادر التعليميِّ نفسه أصبح يمثِّل أحد أوجه الأزمة. فبعضُ الأقسام تعتمدُ على كوادر غير سعوديَّة، بعيدة عن التحوُّلات المحليَّة، ومتطلَّبات السوق السعوديِّ الجديد، إضافة إلى أنَّ كثيرًا منهم لم يمارس الإعلام فعليًّا، بل يعيشُ داخل إطار أكاديميٍّ تقليديٍّ، وفقير مهنيًّا، يكرِّر محتوًى قديمًا لا يمتُّ بِصِلَةٍ إلى واقع المنصَّات الرقميَّة، ولا أدوات التَّأثير الجديدة. والنتيجة أنَّ الطالب يتخرَّج وهو يعرفُ تاريخ الصحافة أكثر ممَّا يعرف صناعة المحتوى، وقد يفهم في النظريَّات أكثر من إتقانه لأدوات الصناعة.
وفي الوقت الذي تتَّجه فيه أكثر من 70 في المئة من الميزانيَّات الإعلانيَّة عالميًّا نحو الإعلام الرقميِّ، ما تزال بعضُ الخطط الدراسيَّة تمنح مساحاتٍ واسعةً لعناوين تقليديَّة، مقابل حضور محدود لمقرَّرات مثل إدارة المنصَّات، وتحليل الجمهور، والإعلام بالذكاء الاصطناعيِّ، والبودكاست، وصناعة المحتوى الرقميِّ، وإدارة السُّمعة الرقميَّة.
كما أنَّ مفهوم “الإعلامي” نفسه تغيَّر بالكامل؛ فاليوم يستطيع شاب بهاتف ذكيٍّ الوصول إلى ملايين البشر، وصناعة تأثيرٍ وربحٍ ماليٍّ يفوق أحيانًا دخل مؤسَّسات إعلاميَّة كاملة، من دون أنْ يدرس الإعلام أكاديميًّا. وهذا التحوُّل كشف هشاشة كثيرٍ من البرامج التعليميَّة التي ما تزال تخرِّج إعلاميِّي الأمس لوظائف اختفت، أو تتراجع بسرعة.
وفي المقابل، فإنَّ المهنة نفسها بلا حماية واضحة. المؤسّسات الإعلاميَّة تستقطبُ خريجي تخصُّصات مختلفة، بل إنَّ كثيرًا من القيادات الإعلاميَّة جاءت تاريخيًّا من خلفيّات قانونيَّة وإداريَّة وأدبيّة وهندسيَّة وتقنيَّة، فيما لا يشكِّل خرِّيجو الإعلام في بعض المؤسَّسات سوى أقل من 20 في المئة من العاملين في هذه الصناعة. والأسوأ أنَّ بعض الجهات المعنِّية تمنح صفة «إعلامي» بشكلٍ فضفاضٍ من دون معايير مهنيَّة حقيقيَّة، ما يضرب هويَّة المهنة واحترافيَّتها في العمق.
المشكلة إذًا ليست فجوةً بين الدِّراسة والعمل فقط، بل فجوة بين «سرعة العالم»، و»بطء التعليم». وإذا لم تتحوَّل أقسام الإعلام إلى بيئات إنتاج رقميَّة مرتبطة بالسوق والتقنية والاقتصاد الإبداعيِّ، فإنَّ الأزمة لن تكون في توظيف الخرِّيجين فحسب، بل في بقاء هذه الأقسام نفسها.
د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس مجلس إدارة إعلاميون