في العلاقات الإنسانية مساحة واسعة من الكلمات اللطيفة والعبارات المهذبة التي تُقال حفاظًا على الودّ، ورعايةً للمشاعر، وصيانةً للروابط الاجتماعية. غير أن هذه المساحة كثيرًا ما تختلط عند بعض الناس بمفهوم آخر أكثر خطورة؛ هو النفاق الاجتماعي. فيظن البعض أن كل مجاملة نفاق، ويبرّر آخرون ازدواجيتهم بأنها مجرد لباقة في التعامل. وبين هذا وذاك يبقى السؤال المهم: أين ينتهي اللطف، وأين يبدأ النفاق؟
المجاملة في أصلها خُلُق إنساني راقٍ، يقوم على تهذيب العبارة وحسن اختيار الكلمة. هي القدرة على قول الحق بأسلوب لطيف، أو الصمت حين لا تكون الكلمة ضرورية. فليس من الحكمة أن يقال كل ما نعتقده في كل موقف، ولا من الأدب أن تُقال الحقيقة بطريقة جارحة. لذلك كانت المجاملة وسيلةً لحفظ القلوب، وتلطيف العلاقات، وإبقاء مساحات الاحترام بين الناس.
لكن المجاملة تظل مقبولة ما دامت لا تُغيّر الحقيقة ولا تُزيّف الموقف. فهي لا تعني أن يمدح الإنسان ما يراه خطأ، ولا أن يؤيد ما لا يؤمن به، ولا أن يساير الباطل خوفًا أو طمعًا. المجاملة تضبط الأسلوب، لكنها لا تبيع المبدأ.
أما النفاق الاجتماعي فهو شيء آخر تمامًا. هو أن يعيش الإنسان بوجهين؛ وجهٍ يظهره أمام الناس، وآخر يخفيه في داخله. أن يُظهر الإعجاب بما لا يعجبه، وأن يمدح ما يرفضه في قلبه، وأن يوافق على ما لا يقتنع به، فقط ليحافظ على مكانةٍ أو ليكسب رضا الآخرين. هنا لا يكون الهدف مراعاة المشاعر، بل حماية الصورة الشخصية ولو على حساب الصدق.
النفاق الاجتماعي يبدأ غالبًا بخطوات صغيرة؛ مجاملة مبالغ فيها، أو سكوت عن باطل واضح، أو تأييد لموقف لا ينسجم مع القناعة. ومع تكرار هذه التنازلات يتسع الفارق بين الداخل والخارج، حتى يعتاد الإنسان أن يقول شيئًا ويعتقد شيئًا آخر. عندها تتحول العلاقات إلى مسرحٍ للأقنعة، لا إلى مساحةٍ للصدق.
والفرق الجوهري بين المجاملة والنفاق يكمن في المبدأ. فالمجاملة تحافظ على المبدأ لكنها تُحسن التعبير عنه، بينما النفاق يضحّي بالمبدأ من أجل الحفاظ على الصورة. الأولى أدبٌ اجتماعي راقٍ، والثانية ازدواجية تُضعف الثقة بين الناس.
إن المجتمعات الصحية لا تقوم على القسوة في الكلام، ولا على الصراحة الجارحة، لكنها في الوقت نفسه لا تقوم على الأقنعة. ما تحتاجه هو صدقٌ مهذّب؛ كلمة صادقة تُقال بلطف، وموقف واضح يُعرض بحكمة، ونصيحة تُقدّم بإنصاف.
وفي النهاية يبقى الميزان الحقيقي بسيطًا وواضحًا: إذا كانت الكلمة اللطيفة تحفظ الحقيقة فهي مجاملة. وإذا كانت الكلمة اللطيفة تُخفي الحقيقة فهي بداية نفاق.
وبين هذين الطريقين يختار الإنسان كيف يريد أن يُعرف: بوجهٍ واحد صادق… أم بوجوهٍ كثيرة لا يعرف أصحابها أيّها الحقيقي.
فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون