مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

القليل منه كثير؟

نعيش في زمنٍ يُربّي الإنسان على الامتلاء الخارجي، لا الامتلاء الحقيقي؛ فكل شيء يُقاس بالكثرة: كثرة الإنجاز، وكثرة الحضور، وكثرة العلاقات، وكثرة ما تفعله في يومك حتى يبدو ممتلئًا وذا معنى. حتى التعب نفسه صار يُعامل كبرهان قيمة؛ فكلما ازددت إنهاكًا، بدا وكأنك تعيش حياةً مُعتبرة. لكن ثمة سؤالًا أكثر قسوة من كل هذه الضوضاء: هل ما نفعله يملؤنا فعلًا، أم يستهلكنا فقط؟

الفرق بين الاثنين هائل، ولا يدركه المرء منا مبكرًا؛ لذلك يقضي بعض الناس أعمارًا كاملة دون أن ينتبهوا أنهم كانوا يعبرون حياتهم بصفة مؤقتة؛ يؤدّون، وينجزون، ويتكيّفون، وينجون، لكنهم لا يحضرون حقًا.

ثمة أعمال تُرهق الجسد وتغسل الروح، وثمة أعمال تُبقي الجسد واقفًا بينما تُطفئ الإنسان من الداخل ببطء. فالتعب الحقيقي لم يكن يومًا في البذل، بل في الانفصال؛ أن تمضي وقتك في أشياء لا تشبهك، وفي أماكن تضطر فيها يوميًا إلى تهذيب ذاتك حتى تصبح مقبولًا، إلى تقليص صوتك، وإخفاء حساسيتك، وكتمان ذلك الجزء الحي فيك لأنه لا يناسب الإيقاع السائد. هذا النوع من التعب لا يُرى مباشرة، لكنه يتراكم داخل الإنسان كغبارٍ روحيّ كثيف، حتى يصل المرء إلى لحظة يشعر فيها أنه أمضى وقتًا طويلًا يؤدي دورًا لنفسه بدل أن يعيشها.

وفي كل موسم إيماني يمرّ علينا؛ رمضان، والحج، واللحظات الإيمانية، والوقفات الشعورية، وما بينها من لحظات يرقّ فيها القلب ويضعف ادعاء الإنسان أمام نفسه، تعود الكلمة بصورة مختلفة. ليس لأن المواضيع تتغيّر، بل لأن الإنسان نفسه لا يبقى كما هو. ففي هذه المواسم تسقط طبقات كاملة من الذات التي تغطيها القشور طوال العام؛ تخفّ الحاجة إلى الظهور، ويقلّ التكلّف، وتتراجع الرغبة القديمة في أن تبدو عارفًا بكل شيء. تجلس أمام الكلمة وأنت أكثر خوفًا منها، وأكثر مسؤولية؛ لا خوف الكاتب على جودته، بل خوف الإنسان من أن يقول ما لا يشعر به حقًا.

وهذا فارق بالغ القسوة؛ لأن الكلمات في الأوقات العادية يمكنها أن تمرّ بوصفها صياغة جيدة فحسب، أما في المواسم التي يتجرّد فيها الناس، فالكلمة الزائفة تُفتضح بسرعة. يقرأها الإنسان بقلبه لا بعينه، ويشعر — بطريقة لا يمكن تفسيرها — إن كانت خرجت من تجربة حقيقية وجوهر صادق، أم من براعة لغوية فقط. هنا تصبح الكتابة مسؤولية لا استعراضًا، ويصبح الاصطفاء فعل ضمير لا فعل اعتياد، وتظل تبحث عن شيء صادق بما يكفي ليعبر من روح إلى روح دون فواصل.

وحين تصل إليه، لا تشعر بنشوة الإنجاز بقدر ما تشعر بشيء أقرب إلى الطمأنينة، كأنك لم تبتكر شيئًا، بل أنقذت المعنى من الزيف فقط، وهذا هو جوهر الأمر كله.

أظن أن الإنسان يعرف العمل الذي يشبهه من الأثر الذي يتركه فيه بعد انتهائه؛ ليس العمل الذي يستهلكه تمامًا، ولا العمل السهل المريح كما يتخيّل البعض، بل العمل الذي يشعر بعده أن شيئًا فيه كان حاضرًا بالفعل؛ أن يكون صوته حاضرًا، وحساسيته، وقلقه، وأسئلته القديمة، وطريقته الخاصة في النظر إلى العالم، لا أن يكون مجرد نسخة وظيفية مما يُطلب منه.

لهذا لا تُقاس قيمة الأشياء بكثرتها، بل بقدرتها على النفاذ؛ فقد تغيّر كلمة واحدة مصير يوم كامل لإنسان كان يقف على حافة داخله، وقد تمنح لحظة صدق صغيرة شخصًا ما شعورًا نادرًا بأنه مرئي، ومفهوم، وغير وحيد تمامًا في هذا العالم. الأشياء الحقيقية لا تحتاج إلى سطوع يخترق الملأ كي تترك أثرها؛ فهي تعمل بهدوء، لكنها تظل في الإنسان طويلًا لأنها لامست فيه شيئًا حقيقيًا.

القليل من الإخلاص كثير، والقليل من الحضور الحقيقي كثير، والقليل من الصدق أمام ما تصنع كثير؛ لأن الإنسان لا يخلّده حجم ما فعل، بل مقدار حضوره فيه، وكم كان صادقًا وهو يبذل نفسه، وكم كان غائبًا عنها. فبعض الناس يضع شيئًا صغيرًا وصادقًا في هذا العالم، فيبقى أطول مما ظنّ؛ لأن القليل، حين يكون حقيقيًا، لا يبقى قليلًا أبدًا.

 

أروى الزهراني
‏@a10wa1
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop