في كل بيئة عمل ناجحة، هناك من يزرع بصمت، ويجتهد بإخلاص، ويسهر ليصنع الفرق. وفي المقابل، هناك فئة أخرى لا تتقن الزراعة، لكنها تجيد قطف الثمار. هؤلاء هم المتسلقون… أولئك الذين يصعدون السلم الوظيفي لا بعرقهم، بل على أكتاف غيرهم وسرقة جهودهم وانجازاتهم.
المتسلق في العمل لا يظهر عادةً بصورة واضحة؛ فهو لا يقتحم المشهد بوقاحة، بل يتسلل إليه بدهاء. يتقن فن الظهور في اللحظة المناسبة، ويعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى ينسب الفضل لنفسه بعبارات مطاطة مثل: “فريقنا عمل”، بينما كان دوره مجرد مراقب من بعيد. هو لا يسرق الفكرة علناً، بل يلمّعها، يعيد صياغتها، ثم يقدمها وكأنها وُلِدت في ذهنه.
خطورة المتسلق لا تكمن فقط في سرقة الجهود، بل في تشويه ميزان العدالة داخل بيئة العمل. حين يُكافأ من لا يستحق، ويُهمّش من يستحق، تتآكل الحماسة، ويضعف الانتماء، ويبدأ الإبداع بالانطفاء. فالجهد الذي لا يُقدّر، يتحول مع الوقت إلى صمت، والصمت إلى انسحاب داخلي قد لا يُرى لكنه يُشعر.
المتسلق غالباً بارع في بناء العلاقات “الانتقائية”. يقترب ممن يملكون القرار، ويبتعد عمن يملكون الفكرة. يجيد المجاملة، ويتقن الحضور في الاجتماعات، لكنه يتوارى عند توزيع المهام الثقيلة. يختار الأدوار التي تضمن له الظهور، ويتجنب المسؤوليات التي تكشف حقيقة قدراته.
لكن، وعلى الرغم من كل هذا الدهاء، فإن التسلق لا يصنع قيمة حقيقية. قد يصل المتسلق سريعاً، لكنه يظل هشّاً؛ لأن موقعه بُني على صورة لا على جوهر. ومع أول اختبار حقيقي، يظهر الفرق بين من صعد بجهده، ومن صعد بذكائه الماكر.
في المقابل، يبقى صاحب الجهد الصادق هو الرابح على المدى البعيد. سمعته تُبنى من مواقفه، وثقة الناس به تُصنع من تاريخه. قد يتأخر تكريمه، لكنه لا يُنسى. وقد يُظلم لحظة، لكنه لا يُلغى.
بيئات العمل الصحية لا تُقاس بعدد المشاريع المنجزة فقط، بل بعدالة توزيع الفضل. فحين يُحفظ الجهد، ويُسمّى كل إنجاز باسم صاحبه، تزدهر الروح قبل النتائج. أما حين يُفتح الباب للمتسلقين، فإن المؤسسة نفسها تدفع الثمن.
في النهاية، التسلق قد يرفعك درجة.. لكن الاستحقاق وحده هو ما يُثبتك في القمة.
منال فهد
@manal_fo
عضو جمعية إعلاميون