مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المتفائلون والمتشائمون في سوق العقار بالرياض

لا يمكن قراءة سوق العقار في الرياض؛ بوصفه سوقًا تقليديًّا تحكمه معادلات العرض والطلب فقط. فهو سوق تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد بالسياسة، والديموغرافيا بالتَّخطيط الحضريِّ، والطموح الوطني بالقدرة الشرائيَّة للأفراد. وفي خضم هذه التعقيدات، ينقسم المتابعون إلى معسكرين واضحين: متفائلون يرون في السوق مستقبلًا مفتوحًا على النموِّ، ومتشائمون يحذرُون من تضخُّم سعريٍّ قد يتجاوز الواقع.

ينطلق المتفائلون من قناعة مفادها أنَّ الرياض مدينة في طور التحوُّل لا في مرحلة النضج. ومن هذا المنطلق، يرون أنَّ الارتفاعات السعريَّة الحاليَّة لا تمثِّل فقاعة بالمعنى التقليديِّ، بقدر ما تعكس إعادة تسعير تاريخيَّة لمدينة يُعاد تشكيلها اقتصاديًّا وعمرانيًّا. ويستند هذا الطرح إلى مجموعة من العوامل، في مقدِّمتها النمو السكاني المتسارع، وتحول الرياض إلى مركز إقليمي للأعمال يستقطب الشركات والمقار الإقليميَّة والوظائف ذات الدَّخل المرتفع.

ويضيف المتفائلون إنَّ المشروعات الكبرى والبنية التحتيَّة المتقدِّمة، من شبكات النقل العام إلى المناطق متعدِّدة الاستخدامات، لم تنعكس آثارها بعد بالكامل على الأسعار، وإنَّ السوق يشهد اليوم تسعيرًا استباقيًّا لما ستكون عليه المدينة في السنوات المقبلة. كما يشيرُون إلى تغيُّر أنماط الطلب السكنيِّ، حيث لم يعد الطلب مقتصرًا على الفلل التقليديَّة، بل اتَّجه نحو الشقق والمجتمعات السكنيَّة المتكاملة، والسكن القريب من مراكز الأعمال، ما يعزِّز استدامة الطلب لا مؤقتيته. وبناءً على ذلك، يعتقدُون أنَّ أيَّ تصحيح محتمل سيكون محدودًا ومناطقيًّا، لا شاملًا.

في المقابل، يطرح المتشائمون تساؤلًا مشروعًا: هل تعكس الأسعار الحاليَّة القدرة الشرائيَّة الفعليَّة؟ ويرون أنَّ السوق يعاني اختلالات بنيويَّة، أبرزها اتِّساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل، ما يجعل التملك بعيد المنال عن شريحة واسعة من الأسر، ويقيد الطلب الحقيقي. كما يشيرُون إلى أنَّ جزءًا من الطلب القائم هو طلب استثماريٌّ قصير الأجل، تغلب عليه المضاربة وإعادة البيع، لا الاستخدام السكني الفعلي، الأمر الذي يضخِّم الأسعار دون خلق قيمة تشغيليَّة موازية.

وبين هذين الطرحين، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا من الانحياز إلى أحد المعسكرين. فسوق العقار في الرياض ليس سوقًا واحدًا، بل أسواق متعدِّدة تسير بسرعات مختلفة؛ أحياء مركزيَّة ناضجة ذات طلب مستقر، ومناطق ناشئة تراهن على المستقبل، ومنتجات سكنيَّة تتفاوت في الجودة والملاءمة، يقابلها مستثمرُون تختلف آفاقهم الزمنيَّة وإستراتيجيَّاتهم جذريًّا.

في هذا السياق، قد يُنظر إلى سعر معيَّن على أنَّه مبالغ فيه من زاوية المشتري السكنيِّ، بينما يبدو مقبولًا، أو حتى جاذبًا للمستثمر طويل الأجل. وما قد يُعد فقاعة في حيٍّ ما، قد يكون فرصةً مدروسةً في حيٍّ آخرَ.

الخلاصة أنَّ الحكم على اتجاه سوق العقار في الرياض ليس أمرًا بسيطًا. فالسوق لا يسير في خط مستقيم، بل في مسار متعرِّج تحكمه سياسات الإسكان، وحركة التمويل، وجودة التطوير، والتغيُّر المستمر في أنماط المعيشة. المتفائلون محقُّون في رهانهم على مدينة صاعدة لم تبلغ ذروتها بعد، والمتشائمون محقُّون في التحذير من تجاهل القدرة الشرائيَّة والطلب الحقيقي.

أمَّا الرهان الأكثر عقلانيَّة، فهو عدم الانتماء لأيِّ معسكر، وقراءة السوق بواقعيَّة وهدوء، حيًّا بحيٍّ، ومنتجًا بمنتجٍ. ففي سوق بحجم وتعقيد سوق الرياض، التفاؤل الأعمى مخاطرة، والتشاؤم المطلق تفويت للفرص.

 

د.سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop