مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المجتمع والتغيير.. مسافة زمن

رغم ما يشهده المجتمع السعودي من تحولات متسارعة في أنماط الحياة، وتوسّع ملحوظ في مساحة المشاركة المجتمعية، إلا أن تقبّل هذه المشاركة لا يزال يواجه شيئًا من التردّد، خصوصًا في القرى والمحافظات الصغيرة، حيث تتحرك الذاكرة الاجتماعية ببطء، وتتشكل المواقف وفق تراكم طويل من العادات والتجارب السابقة.

في هذه المجتمعات، لا يُعد التحفّظ على الفعاليات والأحداث العامة رفضًا مباشرًا بقدر ما هو انعكاس لطبيعة اجتماعية اعتادت الخصوصية، وارتبطت فيها الحياة العامة طويلًا بدوائر محدودة ومغلقة. فالمجتمع القروي بطبيعته أكثر تماسُكًا، وأكثر حذرًا تجاه كل ما هو جديد، لا سيما حين يتعلّق بمشاركة فئات مختلفة أو أنماط غير مألوفة من الحضور المجتمعي.

غالبًا ما يُساء فهم هذا التحفّظ، ويُقرأ بوصفه مقاومة للتغيير، بينما هو في حقيقته حالة انتظار. انتظار لزمن يطمئن فيه المجتمع إلى أن المشاركة لا تُهدد القيم، ولا تُربك التقاليد، بل يمكن أن تكون امتدادًا لها بصيغة أكثر حداثة وتنظيمًا.

التجارب الحديثة أثبتت أن المجتمع، حين يُشرك بوعي، ويتقدّم إليه الخطاب بلغة تحترم خصوصيته، يستجيب تدريجيًا. فالتغيير الاجتماعي لا يُفرض بقرارات ولا يُقاس بسرعة التنفيذ، بل يُبنى عبر الثقة، والتكرار، ورؤية الأثر الإيجابي على الأرض. وكل فعالية ناجحة، وكل حدث منظم، يضيف لبنة جديدة في جدار القبول.

كما أن غياب التجربة السابقة يلعب دورًا محوريًا؛ فبعض المجتمعات لم تعتد على أن تكون شريكًا في الفعل، بل متلقيًا فقط. ومع الانتقال من دور المشاهِد إلى دور المشارك، تظهر المخاوف الطبيعية: من الفوضى، أو سوء التنظيم، أو كسر الأعراف. وهي مخاوف لا تزول إلا حين تتحول المشاركة إلى ممارسة مألوفة، لا حدثًا استثنائيًا.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على سرعة التغيير، بل على استدامته. فالمجتمع الذي يُمنح الوقت الكافي للفهم، ويُحترم إيقاعه الخاص، يصل في النهاية إلى قناعة راسخة بأن المشاركة المجتمعية ليست ترفًا، بل ضرورة تنموية، تعزّز الانتماء، وتعيد بناء العلاقة بين الفرد والمكان.

التغيير قادم بلا شك، لكنه لا يسير بخط واحد في كل المناطق. وفي القرى والمحافظات، يمر أولًا من بوابة التقبّل وهذه البوابة لا تُفتح إلا بالصبر، والحوار، وتراكم التجارب الإيجابية.

 

أ. شادية الغامدي
@shadiyah_gh
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop