مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المجتمع.. وحماية القطاع غير الربحي؟

‏في أوقات كثيرة، لا تُختبر قوة المؤسسات بالنجاح والازدهار وفقط، بل حين تتعرض للتشكيك أو سوء الفهم.. ونحن الآن في عصر الفضاءات المفتوحة وتدفق المعلومات، غالبًا ما تطفو على السطح زوابع من التعميمات المتسرعة التي تطال مؤسسات العمل الأهلي وجمعياته.
‏والهجمة التي أثيرت مؤخرًا، سواء كانت نابعة من اجتهادات فردية أو فهم فردي لطبيعة العمل المؤسسي للجمعيات، لا تُمثل في جوهرها تهديدًا للقطاع غير الربحي بقدر ما تُمثل “اختبارًا” لمدى صلابة علاقة المجتمع بمؤسساته؛ فالجمعيات والمنظمات الأهلية لا تعمل في فراغ، بل تستمد بقاءها واستدامتها من الأفراد الذين تعمل معهم وتساندهم وتجتمع بهم وتأخذ آراؤهم وتشاركهم في كل التفاصيل.
‏وبرأيي أنه حين أصدر مجلس الجمعيات الأهلية بيانه الأخير للرد على مثل هذه الاتهامات، لم يكن يدافع عن كيانات هشة تحتاج إلى التبرير، بل كان يضع النقاط على حروف “الواقع المؤسسي” الصارم الواضح المعالم.
‏لقد شهد القطاع غير الربحي -بدعم قيادتنا الرشيدة (حفظها الله)- خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية؛ فلم يعد بقاء الجمعيات مرهونًا بعاطفة المتبرعين أو السمعة المجردة، بل ارتقى ليرتكز على قواعد متينة من الحوكمة والشفافية والتشاركية والإفصاح المالي.
‏إن الجمعية أو المنظمة التي تنشر تقاريرها، وتخضع للرقابة تحت مظلة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي أو غيرها من قطاعات الدولة، تحرم المشككين من أي مساحة للمناورة، حيث تصبح الشفافية هي الدرع الذي تتكسر عليه كل الانطباعات العابرة.
‏غير أن القيمة الأهم، والرد الأكثر بلاغة على أي هجمة، لا يصدر بالضرورة من البيانات الرسمية، بل يأتي من الميدان نفسه، ولذا أرى أن تعزز الجمعيات نهج “التصميم التشاركي”، وتشرك أصحاب المصلحة من المتبرعين والمستفيدين والمتطوعين وغيرهم في بناء خططها وتخطيط وتنفيذ برامجها وتقييم خدماتها، حتى يتولد في وجدانهم شعور عميق بـ “الملكية المجتمعية”.
‏فالمتبرع الذي تطمن عن وصول أمواله نحو الغاية، والمتطوع الذي لمس أثر المبادرة، والأسرة التي استفادت من البرنامج، هم الشهود الحقيقيون على الأثر التنموي لهذا القطاع، وبالتالي حين يتعرض هذا الكيان الذي بنوه بأيديهم لأي اتهام، فإنهم ينبرون للدفاع عنه تلقائيًا؛ ليس دفاعًا عاطفيًا أو تعصبًا، وإنما دفاع الشريك عن شراكته، والمالك عن ملكه.
‏إن المشاركة المجتمعية لا تقتصر على الاستفادة من الخدمات أو الدعم المالي، بل تمتد لتشكل ما يشبه المناعة المعرفية التي تحمي رأس المال الاجتماعي من التآكل جراء الانسياق خلف الانطباعات أو الاتهامات العامة، وكلما اتسعت مساحة المشاركة، ازدادت الثقة، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على التمييز بين المعلومة الدقيقة والادعاء المرسل.
‏الخلاصة أن القطاع غير الربحي ليس كيانًا منفصلًا نراقبه من بعيد لنحكم عليه، بل هو “نحن”، وحين يُدرك أصحاب المصلحة أنهم شركاء أصيلون في بنائه وتطويره، يصبح المجتمع نفسه هو خط الدفاع الأول عنه، منطلقًا من معرفة حقيقية بقيمته وأثره، ليظل حصنًا تنمويًا منيعًا، قادرًا على حماية مكتسباته بكل ثقة واقتدار.

 

د. يوسف الهاجري
‏@aboaadl2030
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop