مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المدارس الأهلية.. جسر مؤقت أم تحدٍ مستمر للمستثمرين؟

في أحد لقاءات البودكاست الأخيرة، جلس مدير مدرسة أهلية يتحدث بهدوء قبل أن يُلقي جملة أثارت جدلًا واسعًا:”المدرسون السعوديون يعتبرون المدارس الأهلية مجرد جسر لوظيفة أخري،  لا يجلسون فيها”.

منذ تلك اللحظة انقسمت الآراء، فريق رأى في حديثه تقليلًا من الكفاءات الوطنية وآخر قرأه بوصفه توصيفًا لواقع مؤلم أكثر من كونه اتهامًا.

ولكن خلف ماذكره يكمن واقع أكبر وأكثر تعقيدًا، لم يلحظه كثيرون، واقع يعيشه المستثمرون يوميًا وهم يحاولون الموازنة بين طموحهم التعليمي وضغوط السوق الصعبة.

الحقيقة أن المدارس الأهلية ليست مجرد مبانٍ وأرقام، إنها منظومة تتطلب استثمارًا هائلًا وجهدًا مضاعفًا للحفاظ على الجودة والاستقرار.

من جهةهناك طموح لتقديم تعليم نوعي يوازي الأفضل عالميًا، ومن جهة أخرى هناك واقع تشغيلي وضغوط مالية مستمرة لا تهدأ.

نعم هناك تخصصات يُقال إنها تعاني من البطالة، لكن في الميدان الصورة مختلفة.

الاستقطاب ليس المشكلة الكبرى بل الاستدامة هي التحدي الحقيقي.

كثير من المعلمين والمعلمات وكذلك الإداريات ينظرون للمدرسة الأهلية كمحطة مؤقتة، مرحلة عبور حتى تأتي الفرصة الحكومية، وهنا لا نتحدث عن تقصير بقدر ما نتحدث عن واقع سوق تشكل عبر سنوات طويلة من التجربة والخبرة.

المفارقة أن بعض المدارس تقدم حوافز تُعد جيدة مقارنة بقطاعات أخرى: رواتب منافسة نسبيًا، تأمين طبي وأحيانًا نقل وبيئة عمل مستقرة، ومع ذلك يظل خيار “الوظيفة الحكومية” هو الهدف النهائي لدى شريحة واسعة، مما يجعل الاستقرار الوظيفي داخل المدارس الأهلية تحديًا دائمًا، ويزيد من الضغط على المستثمرين للحفاظ على كفاءات مؤهلة، خصوصًا في التخصصات النادرة.

الدخول في قطاع التعليم الأهلي ليس طريقًا مفروشًا بالربح السهل كما يُتصور.

التكاليف الرأسمالية تبدأ من الأرض، حيث تُفرض اشتراطات تنظيمية تجعل الحصول على موقع مناسب عبئًا ماليًا كبيرًا، خصوصًا مع اشتراطات الشوارع التجارية بعرض محدد، والبنى التحتية الملائمة ومواقف السيارات ومخارج الطوارئ، ثم تأتي تكاليف البناء والتجهيزوهي استثمارات طويلة الأمد لا تُسترد بسرعة.

لكن الكثير من المستثمرين لا يملكون رفاهية البدء من هذه النقطة، كثير منهم يُضطرون لاستئجار مبانٍ لتقليل التكاليف الأولية، وهنا تبدأ سلسلة من التحديات الجديدة، المباني المستأجرة غالبًا تحتاج إلى تعديلات هندسية معقدة لتتوافق مع المعايير التعليمية، مثل تحديث المخارج، وضع لافتات السلامة، تهيئة الفصول، وإضافة المرافق الأساسية، ومع كل تعديل يرتفع الإيجارويظل القلق قائمًا بشأن تجديد العقد أو إمكانية تغيير مالك العقار وجهة استخدامه في أي لحظة، مما يجعل المشروع قائمًا على استقرار هش لا على ملكية كاملة.

أما على مستوى التشغيل فالتحديات لا تقل صعوبة، الالتزام بنسب السعودة ورفع الحد الأدنى للأجور يضيف ضغوطًا مستمرة على ميزانيات المدارس، ورغم وجود دعم من صندوق “هدف” إلا أن الفجوة تبقى قائمة خاصة لدى المدارس الصغيرة والمتوسطة. وفي الوقت نفسه يواجه المستثمر تحديًا مستمرًا في الحفاظ على الكفاءات التعليمية في ظل المنافسة غير المتكافئة مع القطاع الحكومي، حيث الأمان الوظيفي طويل المدى والمزايا المالية أكثر جاذبية.

وليس هذا فحسب فهناك تحدٍ آخر على صعيد الإيرادات، وهو تحصيل الرسوم الدراسية من أولياء الأمور، بعض الأسر تتأخر في السداد وبعضها يتعثر ماليًا، دون وجود آليات تشريعية سريعة تضمن للمستثمر استحقاقاته ما يضع المدارس في موقف صعب بين مسؤوليتها التربوية والأخلاقية وضرورات التشغيل المالي.

وسط كل هذا الواقع المعقد، يصبح من السهل إطلاق الأحكام من الخارج، ومن الصعب فهم الصورة كاملة. القضية ليست في من المخطئ ومن المصيب، بل في فجوة تحتاج إلى معالجة أعمق: فجوة بين توقعات المعلم وقدرة المدرسة وتنظيم السوق،وربما الأهم من ذلك إعادة صياغة العلاقة بين جميع الأطراف، بحيث لا تكون المدرسة الأهلية مجرد “جسر مؤقت”ولا يُنظر إليها كمشروع ربحي بحت، بل كمنظومة تعليمية متكاملة تستحق الاستقرار والدعم والتقدير من الجميع.

وبين كل هذه التفاصيل هناك واقع لا يُروى كثيرًا: جهد مستمر، ضغوط يومية، استثمارات هائلة، وحرص على تقديم تعليم يليق بالمجتمع، في ظل بيئة محفوفة بالتحديات تجعل من إدارة مدرسة أهلية تجربة فريدة، صعبة، لكنها ملهمة لمن يعرف قيمتها عن قرب.

سعيد رجاء الأحمري

‏@Historian2080

عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop