مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المرأة في مواجهة فائض التوقعات

لم تعد قضية المرأة في السياق المعاصر مسألة تمكين بالمعنى التقليدي للكلمة، ولا معركة حقوقية تُخاض بالشعارات. لقد تجاوز الواقع هذه المرحلة، وفرض سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ المرأة على توازنها في عالم يطالبها بكل شيء، في الوقت ذاته، وبالمستوى الأعلى؟

القوة التي تُنسب اليوم إلى المرأة ليست نتيجة خطاب تحفيزي، ولا ثمرة وعيٍ مفاجئ، بل محصلة تراكمية لمسار اجتماعي واقتصادي وثقافي حمّلها مسؤوليات متداخلة، ثم افترض قدرتها الدائمة على الاحتمال. فصارت القوة ممارسة يومية، لا خيارًا، وصار الثبات مطلبًا مستمرًا، وليس حالة استثنائية.

المرأة المعاصرة لا تواجه الإقصاء الصريح بقدر ما تواجه إرهاق التوقعات. فهي مطالبة بالكفاءة المهنية، والاتزان العاطفي، والحضور الاجتماعي، وإدارة الذات، في بنية لا تعترف بالتعب إلا بوصفه خللًا فرديًا. هنا لا تكمن المفارقة في حجم الأدوار، بل في غياب الاعتراف بالكلفة النفسية والمعنوية لهذه الأدوار.

وفي هذا السياق، يصبح الصمت النسائي في كثير من الأحيان فعلًا عقلانيًا، لا انسحابًا. اختيارًا واعيًا لإدارة الطاقة، لا علامة رضوخ. فالمرأة لا تُعلن صراعاتها دائمًا لأنها تدرك أن الإفصاح في بيئة غير منصفة قد يتحول إلى عبء إضافي، وليس إلى حل.

المفارقة أن المجتمع الذي يحتفي بخطاب “المرأة القوية” هو ذاته الذي يُضيّق المساحة على هشاشتها الإنسانية. فيُعاد إنتاج النموذج نفسه؛ امرأة ناجحة ظاهريًا، مُنهكة داخليًا، تُجيد الأداء أكثر من الراحة.

لذلك، لم يعد السؤال: كيف نمكّن المرأة؟
بل: كيف نعيد تعريف النجاح بطريقة لا تستنزفها؟

إن العدالة الحقيقية لا تبدأ بمنح المرأة أدوارًا أكبر، بل بخلق بيئة تعترف بحدود الطاقة الإنسانية، وتكفّ عن تحويل القوة إلى عبء أخلاقي دائم. فالمجتمعات المتوازنة لا تُقاس بعدد النساء في الواجهة، بل بقدرتها على حماية إنسانيتهن خلف الكواليس.

فالمرأة، في نهاية الأمر، ليست خطابًا يُعاد تدويره، بل معادلة توازن دقيقة إذا اختلّت، اختلّ معها المجتمع كله.

 

شادية الغامدي
@shadiyah_gh
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop