مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المستقبل يزهر من الجذور

منذ القدم، شكّلت الحرف اليدوية جزءاً أصيلاً من هوية المجتمعات، فهي لغة المكان التي تنطق بتراثه وتعبّر عن ذوقه وأصالته وقيمه وثقافته.
وتشكل الحرف اليدوية جزءاً من ذاكرة طفولتي. التي تعود بي باستمرار أستعيد إلى تلك الأيام التي كنت أرافق فيها والدي – رحمه الله – للتسوق من سوق الحرف اليدوية والمنتجات الشعبية، حيث يعرض عددٌ من الحرفييّن منتجاتهم اليدوية. في ذلك المكان الذي تتعانق فيه الأصوات والروائح والصور، لازال المشهد شاخصاً بذاكرتي؛ كنت أصغي بإعجاب إلى أصوات الرحى وهي تدور، وإلى وقع المطارق وهي تُطرق النحاس لتشكيل دِلال القهوة، وأتابع بخيط من الانبهار حركة النساء وهنّ ينسجن السدو بخيوط الصوف، وكأنهن (يحكن ويحكين) تاريخاً يُروى لأجيالٍ تلو أجيال.
تلك اللحظات الصغيرة – التي بدت آنذاك عابرة – زرعت في داخلي وعياً مبكراً بقيمة التراث، وإحساساً بأن الحرفة ليست مجرد منتج أو مهنة ،بل قصة وهوية وروح ونبض حياة، ورائحة تاريخ، ولمسة إنسان ممتدة عبر الزمن.
ومع مرور السنوات، لم أكن أدرك أن تلك المشاهد ستعود إليّ بطرقٍ مختلفة. فقد قادتني خبراتي المهنية والمجتمعية والتدريبية لاحقاً؛ إلى تدريب مجموعات شبابية ضمن ورش تدريبية في إطار برنامج “مهارات المستقبل” وذلك لتنمية المهارات الذهنية والشخصية والاجتماعية حول الحرف والمنتجات اليدوية الحديثة، التي تمزج بين أصالة الماضي وتقنيات الحاضر ، والتعريف بهذه المنتجات التي تجمع بين إحياء التراث وتحويل الأفكار إلى مشاريع اقتصادية، عبر أنشطة وورش قصيرة تُكسب المشاركين خبرات عملية، وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة في سوق العمل ونقل التراث للأجيال القادمة بروح عصرية مستفيدة من التقنية الرقميّة وقادرة على المنافسة والتميّز والإبداع.
لقد لمستُ أن مشاعر الانبهار التي كنت أحملها وأنا صغير قد انتقلت إلى ملامحهم هم، وأن اليد التي تصنع وتنسج وتعجن وترسم تُعيد تشكيل الوعي قبل أن تُشكّل المادة. وتكن التجربة مجرد تدريب، بل كانت إعادة اكتشاف للدهشة ذاتها التي رأيتها وأنا طفل في سوق الحرف، لكن هذه المرة في أعين شباب يحاولون تشكيل مستقبلهم بأيديهم.
واليوم، تؤكد رؤية المملكة 2030 على هذا البعد الحيوي، معتبرة أن دعم الحرف اليدوية ليس ترفاً ثقافياً، بل هو مسار تنموي يسهم في خلق فرص عمل، وتنويع مصادر الدخل، وتمكين المجتمعات المحلية. وفي إطار برنامج “مهارات المستقبل”، أُدرجت الحرف اليدوية ضمن منظومة المهارات التي تمزج بين الإبداع والتقنية، بحيث يصبح الحرفي الحديث قادراً على استثمار إرثه في أسواق جديدة، داخل المملكة وخارجها، بروح معاصرة واحترافية عالمية. هذه الرؤية الطموحة حولت الحرف من ممارسة تقليدية إلى صناعة قيمية تسهم في استدامة التنمية الثقافية والاجتماعية.
وفي خطوة تعزز حضور الهوية الوطنية وتدعم الاقتصاد الإبداعي ؛ جرى تخصيص العام الجاري 2025 ليكون (عام الحرف اليدوية)، احتفاءً بعمق هذا الإرث ودوره المتجدد في التنمية. ويهدف العام إلى إبراز جماليات الحرف السعودية، وتطوير مهارات العاملين فيها، وتعزيز حضورها في الأسواق المحلية والعالمية. كما يشكل منصة لتشجيع الابتكار في الصناعات اليدوية، وربط التراث بروح العصر.
كما تعمل وزارة الثقافة في المملكة على تأسيس بيئة مهنية تُمكّن الحرفيين من تطوير منتجات ذات جودة عالية، وإدخال أساليب التصميم الحديثة، وتنظيم فعاليات تُظهر التنوع الكبير للحرف والمنتجات التراثية المحليّة عبر دعم المبادرات التدريبية، ومنصات التمكين، والبرامج المتخصصة، أصبحت الحرفة اليوم جزءاً من اقتصاد الثقافة الإبداعية الذي تنمو أهميته عاماً بعد عام.
ووسط هذا الحراك الثقافي، تتألق أيضاً تجربة الهيئة الملكية لمحافظة العلا في قطاع الحرف والتصميم عبر مدرسة الديرة للفنون، التي هي ليست مجرد مركز تدريب، بل ورشة إلهام مفتوحة تستمد روحها من تاريخ العلا العريق، ومساحة تجمع بين الحرفيين والفنانين والمصممين.
ومن التجارب المكملة لهذا المشهد الإبداعي، يأتي دور معهد مسك للفنون الذي نظم المنتدى الإبداعي 2025، ليكون بوابة للقاء المبدعين من داخل المملكة وخارجها. وقد أسهم المنتدى في توسيع نطاق الحرف، عبر طرح رؤى جديدة لدمج التقنيات الحديثة – كالتصميم الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد – في تطوير المنتجات الحرفية دون المساس بجوهرها التراثي.

ولعلّني لن أبالغ إذا قلت: عندما أتأمل الشباب وهم يشكّلون بأناملهم مواداً بسيطة ليحولونها إلى أعمال فنية، أتذكر نفسي في ذلك السوق القديم؛ الطفل الذي كان يتأمل الحرفة، والحرفي الذي يتقنها، والابتسامة التي ترتسم عند اكتمال قطعة جديدة. وكيف يمكن للطين والحجر والصوف والنخيل أن تتحول إلى أعمال فنية نافعة تستند إلى مفردات الذاكرة، لكنها تنطق بلغة المستقبل ، أدرك حينها أن المستقبل الذي نطمح لبنائه ليس بعيداً عن جذورنا، بل يزهر منها.

إن إحياء الحرف من منظور فني معاصر هو مشروع ثقافي واقتصادي وإنساني، يربط الأجيال، ويجعل من تراثنا دائماً نقطة الانطلاق نحو مستقبل يعبر عنّا ويمثلنا بشكل مميز. فحين تتلاقى الأصالة مع الإبداع، يصبح الماضي طريقاً للغد، وتصبح الحرفة لغة يصغي إليها العالم.

وبين ذاكرة الأمس وواقع اليوم، يمكننا التأكيد على أن الحرفة اليدويّة ليست مهارة تقليدية فحسب؛ بل فلسفة تعيد ربط الإنسان بجذوره: الطين، الحجر، السعف، الصوف، وغيرها الكثير ، فكل مادة تحمل قصة، وكل قصة تتحول إلى منتج، ولكن أصل الحكاية واحد ولم يتبدل:
كل مستقبل مزدهر يبدأ من جذرٍ قوي، وكل صناعة إبداعية حقيقية تتضمن قيمة أقوى انتماءً، وأوسع رؤية، وأقدر على رسم غدٍ يحمل في تفاصيله أصالة هذا الوطن وثقافته.

 

د. عبدالعزيز العنزي
Audd1231Audd123@
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop