مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المسخ الوظيفي

17/02/2025

فرط الحركة العملي الذي لا زال فيه يقع جميع الموظفين من أدناهم إلى المدير العام ما هو إلا فرط ينتج عن حدة مهارات العمل، وعلى ذلك ينخفض ولاء المدير للموظف نفسه، ويصبح بعد ذلك صراع الجبابرة بين المدير والموظف الكادح، الذي يعمل كمسخ في بيئة عمل غير سوية، مسخ عالي الكفاءة، رجل متعدد الأيادي والإقدام، ينجز أكثر مما ينبغي، ويُطلب منه أكثر مما يستطيع، لكنه يظل تحت التقييم الدائم وكأنه آلة يُفترض أن تعمل بلا أعطال أو استراحة.

يؤدي ذلك إلى ترسيخ ثقافة الاستنزاف، حيث يُنظر إلى الموظف الكادح كآلة لا تهدأ، مطالبًا بأداء خارق دون أدنى اعتبار لإنسانيته أو احتياجاته. ومع مرور الوقت، يفقد هذا “المسخ عالي الكفاءة” أي شعور بالانتماء، ويصبح مجرد ترس في آلة لا تكافئ سوى الحركة، لا الذكاء ولا الإبداع.

أما المدير، فيتحول إلى سيد المعركة، يقيس النجاح بعدد المهام المنجزة لا بقيمتها، ويبحث عن المزيد من الأيدي والأقدام التي تبقي دوامة العمل في دوران محموم، حتى ينهار أحد الطرفين، أو يقرر الانسحاب من حلبة الصراع، ليُستبدل بغيره في مشهد يتكرر بلا نهاية، حيث يبقى الفرط هو سيد الموقف، وتظل العجلة تدور حتى تُهلك من عليها.

وعلى هذا البناء، يُعاد إنتاج الإنسان نفسه في مسارٍ وظيفي يخلو من الإحقاق النفسي، حيث يتحول إلى “الرجل المسخ” الذي يعمل بقوة تفوق قدرته، مستنزفًا طاقته في دوامة لا تعترف بالراحة. يرهق أعضاءه حتى تكاد تفقد وظيفتها الطبيعية، ثم يُطلب منه أن يعود كما كان، شخصًا عاديًا، يمارس حياته خارج العمل وكأن شيئًا لم يكن.

لكن الحقيقة أن هذا “المسخ” لا يعود كما كان، بل يظل عالقًا بين عالمين؛ عالم يطالبه بالكفاءة المطلقة، وعالم لا يمنحه فرصة لاستعادة ذاته. فلا هو الموظف المثالي كما يُراد له، ولا هو الإنسان المتزن كما ينبغي. يبقى عالقًا في منطقة رمادية، يجرّ إرهاقه معه أينما ذهب، حتى يصبح مجرد ظل لإنسان كان يومًا ينبض بالحياة، قبل أن تلتهمه دوامة العمل المحموم.

وهكذا، تستمر دورة الاستنزاف، ويظل الموظف المسخ في حالة من التيه الوظيفي، حيث لا مكافأة تكفي لتعويض خسائره النفسية، ولا راحة تعيد إليه إنسانيته التي ضاعت وسط جداول الأعمال والاجتماعات والمهام التي لا تنتهي.

 

أ. مي الحارثي
@Valharthi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop