من يراقب التحوّلات العميقة خلال العقد الأخير، سيكتشف أن أعظم إنجازاتها لم تُصنع في القاعات المغلقة، بل على الشاشات الصغيرة، ففيما مضى اعتاد الناس أن تُقاس القوة والتأثير بما تبنيه الأيدي، أما الآن فتنشأ “واحات رقمية” جديدة. مساحات يتلاقى فيها الناس بأسمائهم الحقيقية أو المستعارة، لكنهم يتشاركون الهمّ ذاته: كيف يمكن أن يصبح الفرد جزءًا من التنمية؟
أصبحت منصّات، مثل إكس وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك وغيرها، تُعيد تشكيل علاقة المجتمع بنفسه، تحوّل فيها التفاعل من “تمرير سريع” إلى مشاركة جماعية، ومن تغريدة أو تعليق عابر إلى “موقف” يعيد توجيه مسار #مشروع أو #فكرة أو #مبادرة .
اللافت في تجربتنا، أن المبادرات الرقمية لم تعد مجرد صدى إلكتروني، لقد أصبحت ديناميكية اجتماعية تخلق أثرًا ميدانيًا يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن، فلنتأمل مثلًا وسم #السعودية_الخضراء .. الذي حرّك مدنًا كاملة، وجدنا آلاف المتطوعين، مئات الفرق، ملايين الأشجار… كلها بدأت من شرارة رقمية تحولت إلى فعل تشاركي بالغ التنظيم، وذلك ما يسميه المتخصصون “الحشد المجتمعي الرقمي”.
ليس هذا وفقط؛ فالتطوع الرقمي في المملكة شهد قفزة قوية، حيث تجاوز عدد المتطوعين في المنصة الوطنية للعمل التطوعي المليون متطوع قبل موعده المستهدف، مما يعكس التحول من العقلية المترددة الانتظارية إلى العقلية المبادِرة.
لعبت أيضًا المنصّات الحكومية دورًا كبيرًا في تعزيز المشاركة الرقمية، فتطبيق ” #توكلنا ” الذي تحول من أداة طوارئ خلال الجائحة إلى بوابة مجتمعية تتيح للأفراد التعبير، والتفاعل، واقتراح الحلول، ومنصة “ #تفاعل ” التي أعادت تعريف مفهوم الاستشارة العامة، مانحة الأفراد دورًا في تقييم السياسات والخدمات، وهو جوهر ما يسمى بـ المشاركة المجتمعية الرقمية في صنع القرار.
ما نعيشه اليوم ملخصه أن هناك جيل كامل يقضي معظم يومه على الشاشات، أدرك أن التكنولوجيا ليست للهروب من الواقع، بل لتغييره، وأن زر “إرسال” لا يقل قيمة عن حضور اجتماع ميداني، وأن التعبير الرقمي، حين يُمارس بوعي، يمكن أن يصنع رأيًا عامًا، يقترح، ويغيّر.
ومع ذلك، لا يخلو هذا التحوّل من تحديات، فوسط سرعة الانتشار، قد تنتشر الشائعات بسهولة، لكن وجود كيانات رقمية موثوقة، مثل المنصة الوطنية وغيرها، خلق مناخًا معلوماتيًا أكثر اتزانًا، يسهم في تنظيم الحوار، وضمان أن يكون النقاش آمنًا وشفافًا.
ربما تكون أهم مكتسبات العقد الأخير أن المجتمع/الفرد أصبح شريكًا، مراقبًا، ناقدًا، مقترحًا… وأحيانًا، قائدًا لمسار كامل من خلال منصة رقمية.
ما يحدث اليوم ليس موجةً مؤقتة، بل تحوّلًا بنيويًا في علاقة الناس بالتنمية، تحول من “نحن بانتظار ما يُقرر لنا” إلى “نحن جزء من القرار”. فهل ستكتفي بالمشاهدة؟ أم أنك جزء من هذا التحول؟
د. يوسف الهاجري
@aboaadl2030
عضو جمعية اعلاميون