كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة ليلاً حين أغلق المحرر حاسوبه في مكتبه بالرياض، لكنه لم يغادر. وضع هاتفه على الطاولة وحدق في رسالة واتساب لم يرد عليها بعد: “نبغاك تروي مشروعنا، بس مو كخبر. نبي الناس تعيشه”. يعرف أن مكتبه يتكدس بعشرات البيانات الصحفية التي تبدأ كلها بـ “أعلنت” و”دشن” و”أكد مصدر مسؤول”. كلها ستموت على الصفحة الثالثة. لكنه يعرف أيضاً سراً تعلمه من كبار المهنة: في زمن وفرة المعلومات، لم تعد المنافسة على من ينشر أولاً، الأصح أنها على من يُقرأ حتى آخر سطر، ومن يبقى في ذاكرة الجمهور بعد أن تنطفئ الشاشة. هذا السر اسمه المقال القصصي التشويقي.
في صباح اليوم التالي، فتح أرشيف _The New Yorker_ ليستلهم. وقع على عدد يونيو 1946. جون هيرسي لم يكتب أن قنبلة هيروشيما قتلت مئتي ألف. الأصح أنه أدخل القراء إلى غرفة السيدة توشيكو ساساكي وهي ترتب ملفاتها في مصنع القصدير عند الثامنة والربع صباحاً. ست صفحات كاملة والقارئ يمشي معها، يسمع صوت الراديو، يشم رائحة الورق، قبل أن ينشطر العالم. أدرك المحرر الدرس: الدماغ لا يحفظ الأرقام، لكنه لا ينسى الوجوه. معهد بوينتر للدراسات الإعلامية أثبت ذلك بالأرقام عام 2021، حين وجد أن القارئ يمنح المقال السردي الطويل ست دقائق واثنتي عشرة ثانية من وقته، بينما يهجر الخبر التقليدي بعد ست وثلاثين ثانية فقط. الفرق ليس في المعلومة، بل في الرحلة.
حمل هذا الدرس معه إلى الساحل الغربي. كلفته المجلة بكتابة تحقيق عن مشروع المرجان للغاز في أرامكو. وصل إلى منصة بحرية عند الفجر. هناك التقى مهندساً سعودياً في السابعة والعشرين من عمره. يد المهندس كانت ترتجف من البرد وهو يثبت جهاز قياس على أنبوب يغوص ستين متراً تحت سطح الخليج. قال للمحرر وهو يمسح الملح عن وجهه: “لو أخطأت هنا، نوقف إنتاج حقل كامل”. المحرر لم يكتب في افتتاحية مقاله عن أربعة وعشرين تريليون قدم مكعب من الاحتياطيات. كتب عن رجفة اليد. وبين سطور البرد والخوف والمسؤولية، تسللت الأرقام الكبرى إلى عقل القارئ دون أن يشعر: مئة وعشرة مليارات دولار استثمارات، واثنا عشر ألف وظيفة للسعوديين. لذلك حين نُشر المقال، لم يقرأه المستثمرون كعرض تقديمي. قرؤوه كقصة نجاح إنسانية. تُرجم إلى تسع لغات، واستشهد به رئيس منتدى دافوس 2023 كمثال على تحول الطاقة الذي يقوده الشباب.
لم يتوقف هنا. بعد شهرين كان في نيوم. كلفوه بتغطية “ذا لاين”. بدل أن يبدأ بمخاطبة المهندسين عن “مدينة خالية من الكربون طولها 170 كم”، قضى ثلاثة أيام مع عالمة بيئة سعودية تزرع أول بذرة في مختبر نيوم الزراعي. شاهدها تهمس للبذرة: “راح تكبرين في مدينة ما فيها سيارات”. كتب عن تلك الهمسة. ثم كتب أن هذه البذرة جزء من خطة لإطعام تسعة ملايين إنسان في مدينة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ضمن استثمارات تتجاوز خمسمئة مليار دولار. القراء لم يتذكروا الرقم خمسمئة مليار بقدر ما تذكروا العالمة وهي تكلم البذرة. وهذا هو رهان السرد: أن تجعل الضخم حميمياً، والمعقد إنسانياً.
لكن المحرر تعلم في معهد الجزيرة للإعلام أن هذا الفن سلاح خطير. أستاذه حدثه عن محرر في _واشنطن بوست_ فُصل عام 2003 لأنه اختلق مشهد جندي يبكي في العراق ليجعل تقريره أكثر إثارة. القاعدة التي حفرها في مكتبه تقول: التشويق لا يبرر الكذب. لا تستخدم هذا الأسلوب في خبر عاجل عن زلزال أو مرسوم ملكي، فاللحظة الحرجة تحتاج هرماً مقلوباً لا مشهداً سينمائياً. ولا تكتب أن “الوزير مسح العرق عن جبينه” إلا إذا كنت في الغرفة وشاهدته. فريق _نيويورك تايمز_ الفائز ببوليتزر 2011 عن قصة عمال منجم تشيلي، أمضى ثمانية أشهر يتحقق من كل دقيقة قضاها العمال تحت الأرض قبل أن يكتب السطر الأول. التشويق الحقيقي يولد من دقة المعلومة، لا من تزويرها.
لذلك لا يشهر هذا السلاح إلا عندما يجد قصة فيها أربعة شروط: تحول حقيقي كعبور نيوم من صحراء إلى مختبر، وصراع كمعركة قطار الحرمين مع جبال مكة وسيولها، وإنسان يمكن أن نرى أنفسنا فيه كالمهندس والعالمة، ومعنى يقول شيئاً عن زمننا. حينها يصبح المقال القصصي خياره الاستراتيجي. مكانه ليس النشرة العاجلة، بل المجلات الفصلية العميقة، وملاحق التحقيقات، والحملات المؤسسية التي تريد أن تبني سمعة لا إعلاناً يموت خلال أربع وعشرين ساعة.
عاد إلى مكتبه في الرياض بعد منتصف الليل. فتح الحاسوب وبدأ يكتب عن مشروع كُلّف به، لكنه لم يبدأ بالأرقام. بدأ بالهمسة، بالرجفة، بالبذرة. لأنه أدرك أن المقال القصصي التشويقي هو اعتراف أخير بأن القارئ إنسان قبل أن يكون مستهلكاً للمعلومة. الأرقام وحدها تتبخر، والبيانات الرسمية تُنسى. لكن العالم كله لا يزال يتذكر غابرييل غارسيا ماركيز وهو يروي كيف صارع البحار لويس فيلاسكو أسماك القرش عشرة أيام فوق طوف خشب عام 1955. لا أحد اليوم يقرأ بيان البحرية الكولومبية عن الحادث. وهذا هو الدرس الذي يطبقه كل ليلة: الإعلام المحترف لا يكتفي بصناعة الخبر، الأصح أنه يصنع الذاكرة التي ستحمل هذا الخبر إلى الجيل القادم. وحين تفعل ذلك، فأنت لا تكتب مقالاً، أنت تزرع أثراً يرفض أن يموت.
د. علي الحازمي
@consultant1st
عضو جمعية إعلاميون