في اللغة، كما في التاريخ، لا تأتي المعاني خاليةً من الدلالة. أن يتقاطع “المُعلّم” مع “المَعلَم” لغويًّا، هو أكثر من تجانسٍ لغويّ؛ إنه تجاوُرٌ يجسّد صِلةً فكريةً تكشف عن علاقةٍ جوهريةٍ بين ما يخلد في الذاكرة الجغرافية، والذاكرة الجمعية للكون، فالمُعلّم، حين يتجاوز وظيفته، يُصبح مَعلَمًا: لا فقط في المكان، بل في الذاكرة، في الاتجاه، وفي الهوية،
وبدوره الذي يُعيد تشكيل المعرفة، ويُحمّلها، ويُمارسها كفعلٍ ثقافيّ، يتحوّل إلى رمز، ويصبح حضوره مدلولًا، وتأثيره رمزًا، ويُصبح هو بذاته بنيةً دلاليةً تُجسّد رؤية المؤسسة، وتُعبّر عن طموحها..
وحين يتجاوز دوره من التلقين إلى التأثير، فإنه يُشكّل بذاته هوية المَعلَم؛ لأنه يُجسّد قيمًا، يُمارسها، ويُعيد إنتاجها، ويصبح نقطةَ ارتكازٍ معرفيةً، وجوده يُشكّل ذاكرةً جمعيةً تُؤرّخ المكان، وتحفظ للزمن مرجعيته.
لا يمكن الكشف عن هذه الدلالة بوساطة اللغة فحسب، بل لمن يُنقّب داخل طبقاتها بكل وظائفها وأدوارها وفعلها الثقافي والقيمي في دائرة المكان.
إن الرمزية التي يعتنقها المُعلّم لا تقتصر على حضوره، بل تمتدّ إلى فعله، ومسالكه، وجذور أثره، وفي قدرته على أن يُصبح مرجعًا ومنارة، وحين يُعاد تشكيل الوعي المؤسسي، فإن المُعلّم يُشكّل رؤيةً تمكّن للنهضة والنماء، وأملًا متواصلًا على جميع الأصعدة.
يقول باولو فريري:
“التعليم هو الفعل الأعظم.. تفاؤلًا في وجه العالم”، إنه، ومن موضعه كمُعلّم، يُمارس هذا التفاؤل بوصفه موقفًا وجوديًّا، لا مجرد تقنية تربوية، يُعيد تشكيل السياق من خلال الكلمة، والأثر، والاتصال، في تسلسلٍ زمنيٍّ يخلده الزمن، وتسمو به الذاكرة.
أ. أروى الزهراني
@a10wa1
عضو جمعية إعلاميون