في القروبات الكبيرة المفتوحة ، حيث لا يُنتقى الأعضاء بعناية ، ولا تُضبط الإيقاعات بسقف واحد من الوعي ، تتكوّن بيئة خاصة تختلف تمامًا عن أي تواصل ثنائي أو مساحة محدودة.
هنا لا يجتمع الناس على مستوى واحد من النضج ، بل تتقاطع ثقافات وتتفاوت أخلاق وتظهر شخصيات ما كانت لتظهر بهذا الوضوح لولا ازدحام المكان واتساعه.
القروب المفتوح بطبيعته مساحة عامة ، وكل مساحة عامة تستدعي حدًا أدنى من الاتزان ، لكن الواقع يقول إن هذا الحد لا يتحقق دائمًا.
في هذه المساحات يظهر الشخص غير المتزن ، لا يحكمه أدب الحوار ولا يعرف للكلمة وزنًا ، ولا يدرك أن ما يقوله قد يكون عبئًا ثقيلًا على الآخرين.
حضوره ليس خلافًا صحيًا يُدار، ولا رأيًا يستحق التفكيك ، بل ضجيجًا يقتات على التفاعل ، ويعيش على ردود الفعل.
المعضلة الحقيقية أن هذه القروبات ليست دائمًا خيارًا ، كثير منها يُفرض بحكم العمل ، أو العائلة الكبيرة أو الانتماء المهني والاجتماعي.
لا تستطيع الاعتذار ولا الانسحاب ولا حتى المواجهة الصريحة أحيانًا ، لأن بقاءك فيها جزء من التزام أكبر من رغبتك الشخصية ، وهنا تبدأ الحاجة إلى وعي مختلف ، لا يهدف إلى الانتصاربل إلى النجاة.
في القروبات المفتوحة أول خطأ يقع فيه العقلاء هو افتراض أن الجميع قابل للحوار ، هذا غير صحيح. هناك فرق جوهري بين من يسيء لأنه يجهل ، ومن يسيء لأنه لا يملك غير الإساءة وسيلة للحضور. الأول يمكن احتواؤه ، شرحه ، أو حتى تصحيح مساره ، لأنه ما زال يملك داخله مساحة للعدل والفهم. أما الثاني فالنقاش معه لا يُثمر، والجدال لا يغيّربل يمدّه بما يحتاجه ليستمر الانتباه.
الإدارة الصارمة في القروبات المفتوحة إن وُجدت تبقى الحل الأمثل: تنبيه واضح ثم حسم يحمي المجموعة من الفوضى.
لكن حين تغيب هذه الإدارة أو تتساهل بدافع المجاملة أو الخوف من الحساسية تنتقل المسؤولية إلى الفرد نفسه ، لا ليكون شرطيًا أخلاقيًا ولا محاضرًا في الذوق بل ليكون حارسًا لاتزانه.
التعامل الذكي مع هذه النوعيات في القروبات المفتوحة لا يكون بالتصعيد ولا بالسخرية ولا بمحاولات الإقناع المستميتة ، بل يبدأ بفهم قاعدة بسيطة: ليس كل ما يُقال يستحق ردًا وليس كل من يتكلم جديرًا بأن يُمنح قيمة الإصغاء.
الرد على غير المتزن غالبًا انتصار له ، لأنك تدخل لعبته وتمنحه ما يبحث عنه.
هنا يصبح الصمت موقفًا لا فراغًا ، والتجاهل رسالة لا ضعفًا.
التسفيه الصامت أسلوب راقٍ لرفض العبث دون أن تنزلق إليه ، أنت لا تتجاهل لأنك عاجزبل لأنك واعٍ بأن الدخول في هذا النوع من النقاشات استنزاف مجاني لا طائل منه.
العاقل حتى حين يخطئ يمكن محاورته ، لأن داخله قابلية للفهم والأخذ والرد ، أما من تجاوز هذا الإطارفلا معنى لمحاكمته بالكلمات ، ولا جدوى من ملاحقته بالحجج ، تركه يتحدث في الفراغ أقسى عليه من ألف رد ، لأن الضجيج بلا صدى يموت وحده.
في القروبات المفتوحةخاصة تلك التي لا تملك مغادرتها ، اصنع لنفسك مساحة نفسية خاصة ، كن حاضرًا دون اشتباك ، مشاركًا دون انخراط في الفوضى ، متفاعلًا بقدر الحاجة فقط.
اجعل هدوءك حدًا فاصلًا وسكوتك اختيارًا محسوبًا وتجاهلك وعيًا ناضجًا.
في زمن كثرت فيه الأصوات وقلّ فيه المعنى يصبح الاتزان شجاعة ، وضبط النفس مهارة ، والانسحاب الداخلي حكمة.
ليس الانتصار الحقيقي أن تكسب نقاشًا داخل قروب مفتوح ، بل أن تحافظ على سلامك الداخلي وأنت محاط بكل هذا الضجيج ، لأن أعلى درجات الوعي أحيانًا أن تنجو بنفسك ، لا أن تثبت أنك على حق في ساحة لا تعترف بالحق أصلًا.
أ. سعيد رجاء الأحمري
@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون